السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
في السياسة، لا تختفي الأناشيد عبثًا. فحين يصمت نشيد “جددنا البيعة”، فذلك ليس لأن الفرقة الموسيقية أخذت إجازة، بل لأن المسرح تبدّل، والممثلين تكاثروا، ولم يعد البطل يتسع وحده لخشبة امتلأت بالنجوم… أو بمن يعتقدون أنهم كذلك.
كان المشهد يومًا بسيطًا: قائد واحد، صورة واحدة، هتاف واحد، وإنشاد يبدأ باسم الزعيم وينتهي باسمه. أما اليوم، فقد دخلنا عصر “التعددية الإنشادية”؛ لكل مركز نفوذ نشيده، ولكل جهاز أمني شاعر بلاط، ولكل مسؤول جوقة تصفق حتى وهي تسمع صدى الفراغ.
لم يعد اللحن واحدًا، بل تحولت السلطة إلى ألبوم غنائي متنازع عليه؛ هذا ينشد للقائد الذي “بحجم وطن”، وذاك يسبح بحمد “المغوار”، وآخر يكتشف فجأة أن مسؤولًا يستحق أن يُلبس ثوب كاسترو، وكأن الثورة أصبحت تُفصَّل في استوديوهات الدعاية لا في ميادين السياسة.
هنا أغنية، وهناك أهزوجة، وثالثة ترفع صاحبها إلى مقام المنقذ، بينما الواقع يهبط بالجميع إلى قاع أزمة لا تحتاج إلى ملحن، بل إلى من يجرؤ على سماع الحقيقة.
وفي الخلفية، لا تتوقف الجرافات، ولا تتراجع اقتحامات الاحتلال، ولا يختفي المستوطنون، لكن ما يزدهر بصورة لافتة هو سوق الأناشيد. كأن الوطن صار مسابقة مواهب، والجائزة الكبرى ليست التحرير، بل عدد المقاطع التي تمجّد هذا المسؤول أو ذاك.
حتى السلاح لم يعد يحتكر المشهد. فبينما يفترض أن يكون السلاح الرسمي عنوان السيادة، برزت أسلحة العشائر وقواها، تتشكل أمام أعين الجميع، في مشهد يوحي بأن الدولة نفسها أصبحت مشروعًا مؤجلًا، بينما الكانتونات تنمو بثقة أكبر من مؤسساتها.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن كل أغنية تحاول إقناع الناس بأن بطلها هو “القائد بحجم وطن”، حتى أوشك الوطن أن يصبح أصغر من ألقاب قادته. فإذا جمعنا كل الأوطان التي وُزعت في كلمات المديح، لاحتجنا إلى قارة جديدة تستوعبها.
المفارقة أن الأزمات لا تنشد. الديون لا تغني، والمحروقات لا تُحل بالأهازيج، والشارع لا يأكل القصائد، والناس لا يعيشون على القوافي مهما كانت موسيقاها صاخبة.
ما نشهده ليس ازدهارًا في الفن، بل تضخمًا في عبادة الصورة. وحين يصبح لكل جهاز أمني نشيده، ولكل مسؤول ملحمته، فإن الرسالة لا تكون قوة النظام، بل تفتته. فالدولة التي كانت تردد لحنًا واحدًا أصبحت أوركسترا بلا مايسترو؛ كل آلة تعزف لحنها، وكل عازف يظن أن التصفيق له وحده، بينما الجمهور يغادر القاعة منذ زمن.
ليست المشكلة في الأغاني، بل في الواقع الذي تحاول تلك الأغاني تغطيته. فحين يصبح الإنشاد أكثر حضورًا من الإنجاز، والهتاف أعلى من صوت الناس، والمديح أكثر وفرة من الحلول، فإن الأناشيد تتحول من وسيلة تعبئة إلى شهادة مكتوبة على أزمة سلطة تبحث عن الشرعية في مكبرات الصوت بعدما فقدتها في عيون كثيرين.
وفي النهاية، ربما لم تختفِ أناشيد “القائد الأوحد”… بل انقسمت كما انقسم كل شيء. صار لكل كانتون نشيده، ولكل نفوذ مطربه، ولكل طامح إلى الكرسي كوراله الخاص.
أما الوطن… فما زال ينتظر أغنية لا يكون بطلها شخصًا، بل قضية.

