السكة – المحطة الثقافية – كتب الدكتور جهاد المحيسن
سامي: هل يهم المَيتُ أن القبر يزخرف؟!
في قصيدة مظفر النواب ” تل الزعتر”، يقول: هاذي الأرض تسمى بنت الصبح… نساها العرب الرحل عند المتوسط تجمع أزهار الرمان… وساروا باديتين …ولما انتهوا وجدوا كل سقوط العالم فيها … قالوا مرثية… أيهم الميت أن القبر يزخرف…أم تكترث الشاة لشكل السكين.
نشاز مكتمل… يا صديقي سامي. في الرحيل وجع يدمي القلب، وفي الصمت وجع أكبر منه، أنت والجوع والبرد صنوان، ونحن والكاذب أصدقاء، والغربة أكبر منك عشتها وعاشتك، والليالي الطويلة في التنقل بين بيت محمد طمليه وغسان مفاضلة لها رائحة الغربة، ورائحة الغثيان، ورائحة الخوف من المستقبل اكبر. هكذا تتلخص حكاية الصديق سامي، تلعب فيك الريح كما لعبت الريح في تل الزعتر، وعلى الموت سلام.
سنوات طويلة من السهر والأمل ختمت بالخيبات، وتشرد فينا الحلم صديقي، رغم كل الخلاف بيننا، رغم دخولنا المحظور الذي كنا نخافه جميعا من دون استثناء، رغم أننا أصبحنا نباع بثمن ودون ثمن، إلا أنك صديقي سامي بقيت أمينا لفكرة الماركسية والعدالة الاجتماعية في وجدانك، لن أجتر التاريخ، ولكن هي بعض مفاصل تقتضي الأمانة ليعرف الناس من أنت.
جامعة اليرموك محطتنا الأولى في أواخر الثمانينيات، في بيت سامر حدادين ونضال الرفاعي حيث تجتمع خلايا الشيوعيين، تعرفنا إلى نائل الشقيق الأكبر لسامي ومنه لسامي، وهربت الأيام منّا، وانتقلت بين عواصم المعمورة، وعدنا إلى عمان وعدنا لعذابات القهر التي عاشها سامي، والقهر المركّب الذي عاشته صحافة “التاب لويد”، وأوكار القصص المنسية. التقينا، حيث حلم التغيير بدأ يخبو، وحيث الجميع يبحث في لهاث عن لقمة العيش التي غمست بمرارة الأيام، والفرار من قدر الله إلى قدر الله.
قبل سنوات ليست بالطويلة أصبح لسامي بيت، وراتب منتظم، وتحرر من سلطة كل البيوت التي كان ركَنَ فيها، واجتمعنا في بيته خلف الجامعة الأردنية، وكان يشغل منصب رئيس التحرير لصحيفة الهلال الأسبوعية، كان فرحا بالراتب المنتظم والبيت المستأجر، وقطع الأثاث الجديدة التي ابتاعها. لقد أصبح سامي من ذوي الدخل المنتظم! وصدّق أن الحياة ستنتظم في كيانه البدوي، لكن ليس ثمة نظام في فوضى الحياة.
صديقي سامي الكتابة بعد الموت عنك وعن غيرك هي كذب، لأننا لا نملك الشجاعة بعد، للحديث عنك وعن غيرك في الحياة، نحن جاهزون للقذف والاغتيال وسحق الذات لا لشيء إلا لأننا مرضى. وأذكر ديوان شعر صديقنا زياد العناني طريح الفراش منذ سنوات طويلة “مرضى بطول البال”، تعوّدنا أن نذكر يا سامي محاسن أمواتنا، وكان واجبنا أن نذكر محاسنهم وهم أحياء.
سامي نم أنت وزوجك وأطفالك بسلام، فنحن مرضى بطول البال.

