السكة – محطة المقالات
مقدمة: الفساد كعقبة أمام بناء الدولة**
منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، عقب اتفاقيات أوسلو، كانت الآمال معقودة على أن تكون نواةً لدولة فلسطينية مستقلة، تُنهي الاحتلال الإسرائيلي وتُحقق طموحات الشعب الفلسطيني. لكن مع مرور السنوات، تراكمت الاتهامات حول وجود ممارسات فاسدة داخل أجهزة السلطة، ما حوّل الانتقادات من دوائر حقوقية وسياسية إلى صرخات شعبية تطالب بمحاسبة المسؤولين وإصلاح النظام. بينما تنفي السلطة الفلسطينية هذه الاتهامات غالبًا، تشير تقارير محلية ودولية إلى أن الفساد أصبح ظاهرةً هيكلية تُهدد المشروع الوطني ذاته.
مظاهر الفساد: من المحسوبية إلى هدر المال العام**
وفقًا لتقارير صادرة عن منظمات فلسطينية مثل “أمان” (الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة)، فإن الفساد في السلطة الفلسطينية يتجلى في عدة أشكال:
. المحسوبية والواسطة**
تُشير دراسات إلى أن التعيينات في الوظائف الحكومية العليا غالبًا ما تتم بناءً على الانتماء الحزبي أو العائلي، وليس الكفاءة. ففي قطاعَي الأمن والصحة، على سبيل المثال، يُتّهم مسؤولون بترقية أقاربهم أو مُواليهم، حتى وإن لم يستوفوا الشروط. هذا الأمر يُضعف أداء المؤسسات ويفقد الجمهور الثقة فيها.
الفساد المالي والإداري**
في عام 2020، كشفت تحقيقات إعلامية عن صفقات مشبوهة لشراء معدات طبية بأسعار مُضاعفة خلال جائحة كوفيد-19، مع وجود شبهات حول تورط مسؤولين في وزارة الصحة. كما أثارت قضية رواتب كبار المسؤولين جدلًا واسعًا، حيث يتقاضى بعضهم مبالغ طائلة مقارنةً بالحد الأدنى للأجور الذي لا يتجاوز 400 دولار شهريًا.
. إهدار الموارد والامتيازات**
تُمنح مشاريع استثمارية لشركات ذات صلة بمسؤولين دون مناقصات علنية، وفقًا لتقارير “أمان”. أحد الأمثلة البارزة هو قضية أراضي في منطقة أريحا، حيث تمّ تخصيص مساحات كبيرة لصالح مستثمرين مقربين من النخبة الحاكمة، دون مراعاة المصلحة العامة.
. الفساد الأمني**
في بعض الحالات، تمّ استخدام النفوذ الأمني لتهديد الناشطين والصحفيين الذين يحققون في قضايا فساد، أو لتسريب معلومات لحساب جهات خارجية. وقد أدى ذلك إلى تقويض حرية التعبير، وفقًا لمنظمات حقوقية.
*الفساد والاحتلال: إسرائيل كشريك غير مباشر**
لا يمكن فصل فشل السلطة الفلسطينية في مكافحة الفساد عن السياق السياسي الذي تعيشه تحت الاحتلال الإسرائيلي. فمن ناحية، تُقيّد إسرائيل حركة السلطة الاقتصادية عبر احتكارها لجمع الضرائب وتحويلها بشكل انتقائي، ما يُضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على الإدارة الفعّالة. ومن ناحية أخرى، يستخدم الاحتلال اتهامات الفساد كذريعة لرفض التفاوض مع الفلسطينيين، بينما تُشير تحليلات إلى أن الفساد في السلطة يُخدم مصالح إسرائيل ببقاء نظام ضعيف وغير قادر على توحيد الفلسطينيين.
الانقسام السياسي وتعطيل المحاسبة**
زاد الانقسام بين فتح في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة من تعقيد مكافحة الفساد. فكل طرف يُلوّح باتهامات الفساد ضد الآخر، بينما يُمارس ذات السلوك داخل مناطق سيطرته. في الضفة الغربية، على سبيل المثال، يُتهم جهاز الأمن بالتورط في قمع الاحتجاجات المطالبة بمحاسبة الفاسدين، كما حدث خلال احتجاجات عام 2021 التي طالبت بإصلاح النظام السياسي.
الفساد في ظل غياب المؤسسات الرقابية**
رغم وجود هيئات رسمية مثل “جهاز مكافحة الفساد” و”النيابة العامة”، إلا أن فاعليتها تبقى محدودة في ظل هيمنة السلطة التنفيذية. فالقضاء يُعاني من تدخلات سياسية، وفقًا لتقرير صادر عن “هيومن رايتس ووتش” عام 2022، ما يُضعف قدرته على محاسبة كبار المسؤولين. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال قوانين مثل “حق الحصول على المعلومات” غير مُفعّلة بالكامل، مما يحول دون كشف المخالفات.
الدور الدولي: بين التمويل والتواطؤ**
تلعب الجهات المانحة الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، دورًا ملتبسًا. فمن ناحية، تُقدم ملايين الدولارات سنويًا لدعم ميزانية السلطة، لكنها لا تشترط إصلاحات جذرية لمحاربة الفساد كشرط للتمويل. من ناحية أخرى، تُوجه اتهامات لبعض الدول باستغلال المساعدات لتعزيز نفوذها عبر تمويل مشاريع تُدار من قبل شخصيات مقربة من السلطة.
الغضب الشعبي: من الاحتجاجات إلى فقدان الأمل**
أدت استمرار مظاهر الفساد إلى توسع الفجوة بين الشعب والقيادة. ففي استطلاع للرأي أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” (2023)، قال 76% من الفلسطينيين إن الفساد منتشر في مؤسسات السلطة، بينما يعتقد 68% أن محاسبة الفاسدين غير ممكنة تحت الوضع الحالي. هذا الإحباط دفع بالكثيرين إلى الهجرة أو الانخراط في أعمال احتجاجية، كما حدث في حراك “بدنا نعيش” عام 2019، الذي طالب بإسقاط النظام الضريبي المجحف.
محاولات الإصلاح: خطوات على ورق؟**
أعلنت السلطة الفلسطينية عن إصلاحات متقطعة، كإقرار “استراتيجية مكافحة الفساد” عام 2019، وتعديل بعض القوانين المالية. لكن الناشطين يرون أن هذه الإجراءات شكلية، إذ لم تُقدم أي من كبار المسؤولين إلى المحاكمة. بل إن رئيس الوزراء محمد اشتية أقرّ في تصريح عام 2021 بأن “الفساد موجود، لكننا نعمل على مكافحته”، دون تحديد آليات واضحة.
خاتمة: الفساد كأحد أسلحة الاحتلال**
الفساد في السلطة الفلسطينية ليس مجرد مشكلة إدارية، بل هو عامل يُضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، ويساهم في تفكيك الوحدة الوطنية. إن معالجة هذه الأزمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وبناء مؤسسات مستقلة، ودعمًا شعبيًا ودوليًا لإجراءات جذرية. فبدون ذلك، ستستمر السلطة في فقدان شرعيتها، وهو ما يُهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
—
*هذا المقال يستند إلى تقارير من منظمات فلسطينية ودولية، ويُهدف إلى عرض وجهات النظر المختلفة حول القضية. بعض الاتهامات لا تزال قيد التحقيق، والسلطة الفلسطينية تنفي العديد منها.*

