السكة – المحطة الدولية
ارتفع الدخان الأبيض من مدخنة كنيسة السيستينا، عصر اليوم الخميس، ليعلن انتخاب بابا جديد للكنيسة الكاثوليكية خلفًا للراحل فرنسيس، وسط تصفيق آلاف المحتشدين في ساحة القديس بطرس.
مع قرع أجراس الكاتدرائية، أُعلنت تسمية الكاردينال الأمريكي فرنسيس روبرت بريفوست بابا جديدًا، بعد أن اختار لنفسه الاسم الحبري ليو الرابع عشر، ليكون أول أمريكي في تاريخ الفاتيكان يعتلي الكرسي الرسولي.
الكرادلة الـ133 الناخبون كانوا قد انعزلوا بعد ظهر الأربعاء داخل الجدران الصامتة للفاتيكان، ليبدأوا مجمعهم المغلق الذي لم يدم أكثر من يوم واحد، أسفر عن اختيار شخصية اتفقت حولها مختلف التوجهات داخل الكنيسة. يتمتّع البابا الجديد بجذور متعددة تمتدّ إلى إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، كما أمضى عقدين من حياته في بيرو، حيث خدم كمبشّر وأسقف، قبل أن يستدعيه البابا فرنسيس إلى الفاتيكان ويكلفه بمهمة إدارة مجلس الأساقفة.
ويصفه المقربون بأنه رجل حوار وإصغاء، يحظى باحترام واسع، وكان معروفًا بميوله “الفرنسيسية”، في إشارة إلى قربه من نهج البابا الراحل فرنسيس، الذي سُمّي “بابا الفقراء والمهمشين”. هذا القرب، إلى جانب قدرته على تجسير التباينات، جعله خيارًا مثاليًا لرئاسة الكنيسة في مرحلة يتّسع فيها التنوع داخل مجمع الكرادلة.
رحيل البابا فرنسيس في 21 أبريل الماضي، بعد اثني عشر عامًا من البابوية، فتح الباب لأسئلة كثيرة حول مستقبل الكنيسة. وقد كان فرنسيس، خلال ولايته، حريصًا على تحديث المؤسسة الكنسية، ومناقشة ملفات شائكة مثل دور المرأة في الكنيسة وإصلاح الإدارة المركزية.
ومع الإعلان عن البابا الجديد، تم إحياء الطقوس المعروفة التي تحكم المجمع الفاتيكاني، بدءًا من حرق أوراق الاقتراع في مدفأة مزدوجة تنتج الدخان الأبيض، وصولًا إلى دخول البابا “قاعة الدموع”، حيث يختار من بين ثلاثة أثواب بيضاء معدّة مسبقًا، ويمنح منديلاً لتجفيف دموعه. بعد ذلك، يُستقبل بالترحيب في كنيسة السيستينا، ويجلس على كرسي أسقف روما، قبل أن يعلن أحد الكرادلة: “العناية الإلهية اختارتك لتجلس على كرسي بطرس”.
ومن التفاصيل الطريفة في البروتوكول، أن الجلوس على الكرسي الرسولي لا يشترط أن يكون صاحبه كاردينالًا، بل يكفي أن يكون ذكرًا مؤمنًا، أعزب، ومُعمَّدًا ضمن الكنيسة الكاثوليكية. وقد عرفت الكنيسة بالفعل حالات نادرة لباباوات لم يكونوا من بين الكرادلة، أبرزهم بيترو دي مارّوني الذي تولى البابوية باسم سيلستينو الخامس في القرن الثالث عشر.
بصعود ليو الرابع عشر إلى سدة البابوية، تدخل الكنيسة الكاثوليكية فصلًا جديدًا تقوده شخصية تجمع بين الجذور المتعددة والخبرة الميدانية والنهج الإصلاحي، وسط عالم يتغيّر سريعًا وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإيمان والحداثة.

