الأحد, يونيو 28, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسية«طوفان الأقصى»: زمن التفكيك وإعادة التشكيل

«طوفان الأقصى»: زمن التفكيك وإعادة التشكيل

السكة – المحطة العربية

مع سقوط الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، دخلت المنطقة العربية طورًا جديدًا، لم يُبْقِ من معالم سايكس بيكو سوى خطوط أولية.

فبريطانيا، التي أحكمت قبضتها على فلسطين والعراق، ما لبثت أن تخلّت عن تطبيق الاتفاق فعليًا، مفضّلة فرض نظام الانتداب بالتفاهم مع فرنسا، عبر مقررات مؤتمر «سان ريمو» عام 1920.

ذلك الانتقال من التقسيم إلى الوصاية الدولية لم يُنهِ طموحات الهيمنة، بل أعاد صياغتها في أطر قانونية عبر «عصبة الأمم»، التي منحت شرعية لحكم أجنبي مباشر على شعوب المشرق. وهكذا توزعت بلاد الشام والعراق بين نفوذين بريطاني وفرنسي، بينما بقيت اليمن والسعودية خارج هذه المعادلة.

وفي عام 1922، كرّست الجامعة الأممية هذا المشهد بإقرار رسمي لنظام الانتداب، بعد أن تم قمع الثورات المحلية في العراق وسوريا وفلسطين.

هذه الأجواء كانت الركيزة الأساسية أمام الحركة الصهيونية لتبدأ بتنفيذ مشروعها السياسي، مستندة إلى وعد بلفور البريطاني، تمهيدًا لإنشاء كيان استيطاني على أرض فلسطين.

ومع صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بدأت بريطانيا في الستينيات والسبعينيات بسحب وجودها تدريجيًا من الخليج، بدءًا بالكويت، مرورًا بعدن ومسقط، وانتهاء بالانسحاب الكامل من الإمارات وقطر والبحرين بحلول 1972.

ورغم تقلبات العقود اللاحقة، بقيت الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو أعقاب الحرب الأولى ثابتة نسبيًا.

شرق أوسط جديد يلغي سايكس بيكو

بينما كانت الدول الاستعمارية الكبرى تتقاسم منطقة الشرق الأدنى على الورق عبر اتفاقية سايكس بيكو، كانت في الوقت عينه تضع الأسس لمشروع استيطاني طويل الأمد في قلب المنطقة.

ففي العام التالي، جاء وعد بلفور (1917) ليُعبّر عن نوايا بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، في تجاهلٍ واضح لتعهداتها السابقة للعرب خلال الثورة ضد العثمانيين. هذا الوعد لم يكن معزولاً عن سياق الاتفاقية، بل كان استكمالاً له، إذ منح أرض فلسطين لليهود على طبق من فضة، ممثلاً الوجه الصهيوني لتقسيم استعماري أكبر.

بعد صدور وعد بلفور، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الاضطراب، إذ تحوّل الوعد إلى مشروع استعماري نفذ مع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1920. بدأت بريطانيا بتهيئة الأرض قانونياً وديموغرافياً لاستقبال موجات الهجرة الصهيونية، وسط مقاومة عربية خجولة، لم تحظَ بالدعم الدولي ولا بوحدة موقف داخلي. في المقابل، بدأت شعوب المنطقة العربية تدرك أن سايكس بيكو ووعد بلفور لم يكونا سوى وجهين لعملة واحدة. هذا الواقع فجّر عدداً من الثورات، أبرزها ثورة 1936 في فلسطين، ولكن القوى الكبرى كانت قد أحكمت قبضتها وجعلت من الكيانات العربية الناشئة كيانات وظيفية، تخدم المصالح الغربية لا العربية.

«طوفان الأقصى» فرصة لا تعوّض لتغيير الشرق الأوسط

شكّل «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول 2023 صدمة كبيرة للعدو الصهيوني، وأربك الحسابات الصهيونية والغربية. ولكن سرعان ما حولت «إسرائيل» الحدث إلى فرصة لا تعوّض، فلم تكتفِ بردٍّ عاديّ، بل اختارت أن تستغل الأمور لتنفيذ حرب إبادة على الغزّاويين بغطاء غربي.

  • من «سايكس بيكو» إلى «طوفان الأقصى» (من الويب)
    من «سايكس بيكو» إلى «طوفان الأقصى» 

فتجاوزت كل الحدود، مطالبة بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، محاولة تفريغ القطاع ديموغرافيًا عبر دفع السكان نحو سيناء، إعادة تعريف دور السلطة الفلسطينية، والتلويح بخريطة تطبيع جديدة تشمل سوريا ولبنان

وفي ظل هذه اللهجة الصهيونية، بدأ الخطاب الأميركي يأخذ منحى أكثر وضوحًا حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث جاء تصريح المبعوث الأميركي لسوريا ولبنان إلى توم بارّاك مثيرًا للانتباه، حين طرح فكرة ضمّ لبنان إلى سوريا ضمن تصور جديد للمنطقة.

خطوات واضحة في مسار «شرق أوسط جديد» يسعى إلى تجاوز سايكس بيكو، بروح استعمارية ولكن بأدوات جديدة ناعمة متمثّلة بالأمن والاقتصاد والتحالفات العابرة للسيادة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا