السكة – محطة المقالات – كتب سليمان كاران
كان ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، وهو مبادرة تجارية تدعمها الولايات المتحدة وأُعيد إحياؤها أوائل 2024، محمّلًا بالتناقضات منذ البداية. لكن بعد الحرب الإسرائيلية على إيران وارتكابها الإبادة في غزة، أصبح المشروع يواجه عقبات سياسية وبنيوية لا يمكن تجاوزها.
في شباط/فبراير 2025، وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى واشنطن، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق للعمل على بناء “أحد أعظم طرق التجارة في التاريخ” يربط الهند بإسرائيل ثم إيطاليا وصولًا إلى الولايات المتحدة عبر الموانئ والسكك الحديدية وكابلات بحرية عديدة. وجاء بيان مشترك آنذاك للتخطيط لمشاريع جديدة بالتنسيق بين أطراف IMEC ومجموعة I2U2 (الهند، إسرائيل، الولايات المتحدة، الإمارات).
ممر وُلد في التناقض
طُرح المشروع أول مرة في قمة العشرين بالهند عام 2023 كبديل براق لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، يربط الموانئ الهندية بأوروبا مرورًا بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، ويتضمن خطوط سكك حديدية وخطوط هيدروجين وكابلات بحرية.
لكن جوهره كان جيوسياسيًا: تجاوز إيران، عزل الصين، وإجبار الدول العربية على التطبيع مع تل أبيب.
الهند رأت فيه فرصة لتعزيز تجارتها، لكن تقاربها مع إسرائيل في ظل حرب غزة جعل الموقف محرجًا أمام دول غرب آسيا، خصوصًا الإمارات والسعودية والأردن التي تواجه ضغوطًا شعبية ضد أي تعاون مع دولة الاحتلال.
إسرائيل، التي يفترض أن تكون بوابة IMEC على المتوسط، تحولت إلى عبء سياسي، بعد أن أصبحت منبوذة دوليًا بسبب حصارها لغزة وجرائمها في المنطقة. كما أن الممر يستبعد تركيا (المركز اللوجستي الأهم في المنطقة) ومصر (التي تسيطر على قناة السويس)، ويتجاهل إيران رغم تنامي علاقاتها بجيران الخليج، ما يزيد من تفتيت المنطقة بدل توحيدها.
تحالفات هشة وتمويل غامض
يضم الممر رسميًا: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الهند، السعودية، الإمارات، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا، لكن لكل طرف أجندة مختلفة.
السعودية والإمارات، وهما محوريتان في مسار الممر، تعيشان تنافسًا جيوسياسيًا واقتصاديًا، ما يعرقل أي سياسة موحدة. كما أن وعود التمويل الغربي عبر شراكة البنية التحتية (PGII) البالغة 600 مليار دولار لم تتحقق فعليًا.
حتى الهند، رغم نموها الاقتصادي، تشهد تباطؤًا في صادراتها، وتواجه توترات مع باكستان والصين قد تعرقل أي التزام طويل المدى.
أعلن السعوديون عن استثمار 20 مليار دولار فقط، وهو جزء ضئيل من المبلغ المطلوب، فيما لا يلزم مذكرة التفاهم الشركاء بأي التزامات مالية واضحة.
ثغرات بنية تحتية وانهيار بسبب غزة
المشروع يتجاوز قناة السويس مهددًا إيرادات مصر، ويعتمد على ميناء بيريوس في اليونان حيث تملك شركة صينية الحصة الأكبر، ما يفتح الباب لتضارب مصالح.
كما أن هناك فجوة سكك حديدية بطول 1000 كلم بين الإمارات والسعودية وإسرائيل لم تُنجز بعد، إضافة إلى غياب المعايير الموحدة للجمارك والنقل والطاقة.
حرب إسرائيل على غزة، وهجماتها على إيران وسوريا، والتهديدات في البحر الأحمر، كلها جعلت الممر في مهب المخاطر. كما أن انخراط السعودية والإمارات في شراكات مع الصين وروسيا يزيد من ضعف التماسك في المشروع.
ممر أفول الإمبراطورية
في جوهره، ليس IMEC مشروع اتصال، بل أداة إكراه لإعادة توجيه التجارة بما يخدم الهيمنة الأميركية ويتجاوز القوى الإقليمية المناهضة لها. لكن باستبعاد إيران وتركيا ومصر، والاعتماد على إسرائيل، والتمويل الغربي الغامض، انتهى المشروع إلى الانهيار قبل أن يبدأ.
تم تصميم IMEC في مكاتب واشنطن، وليس في عواصم المنطقة، ومصيره يعكس مصير مشاريع أطلسية سابقة: ضجيج إعلامي، تمويل هش، تناقضات سياسية، ونهاية في طي النسيان

