السكة – محطة المقالات
وُلدت دولة “إسرائيل” من خطيئة. فإذا حملت المعركة الأولى ذنبًا، كانت التراجيديا التي تلتها شبه حتمية. لم تظهر هذه التراجيديا على الفور، وقد يظن البعض خطأً أنها لن تأتي، لكن ذلك لا يهم، فالتراجيديا نشأت مع الخطأ، وخُتمت فيه، وتشابكت معه بلا انفصال.
لم تكن المشكلة في الحلم الصهيوني ذاته: العودة إلى الوطن، والدفاع عن النفس من أعدائنا، وإقامة دولة في أرض صهيون والقدس. لكن الحلم، بصفته فكرة بلا جسد، يصطدم دائمًا بالواقع الذي يقيد تحقيقه الكامل — ودولة إسرائيل لم تعرف هذا الحد الطبيعي.
طريقة قيام الدولة رسمت مصيرها منذ البداية: أن تكون مطاردة، أن تخطئ، وأن تعيد نفسها مرارًا حتى الفقدان. التراجيديا لم تأتِ من الخارج، بل كانت جزءًا من تأسيس إسرائيل نفسها.
خطأ إسرائيل كان في تحقيق الحلم على أرض الواقع. ففي عام 1948، لم تحترم الممارسة حدود الواقع، بل فرضتها بالقوة. وبينما كانت الدولة تحتفل بانتصارها، كان الفلسطيني ينعى مصيره.
الرغبة في العودة إلى الأرض وُلدت من ضيق تاريخي عميق. لكن حين تحولت إلى رغبة في إقامة سيادة يهودية واحدة من النهر إلى البحر، لم تتناقض فقط مع الواقع الديموغرافي والسياسي، بل أزالت كل إمكانية لتحقيق
سمح المجتمع الدولي، وخصوصًا الدول الغربية، بإقامة الدولة في ظروف كانت تعلم أنها ستضر بالفلسطينيين — سواء بدوافع استعمارية وسياسية، أو من منطلق لا مبالي. ولهذا، تتحمل هذه الدول نصيبًا من الخطأ، لأنها سمحت بحدوثه. وربما تحاول اليوم التكفير عن ذلك، وتحويل شعورها بالذنب إلى محاولة لتصحيح الخطأ. في تلك الفترة، هيمنت ذاكرة معسكرات الهولوكوست على النقاش الدبلوماسي، مُغفلةً الظلم الواقع على الفلسطينيين. وربما تحولت هذه الرحمة تجاه اليهود إلى موقف مؤسسي شكّل فعليًا حدود الممكن.
في الكتاب المقدس تتكرر دعوة شعب إسرائيل لاستقبال الغريب والرحمة به. عادةً ما يُنظر إلى ذلك على أنه وصية أخلاقية: “لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر” (سفر التثنية 10:19). تتكرر هذه الوصية مرات عديدة، في حين تظهر وصايا أخرى “أهم” مرة واحدة فقط — مما يثير التساؤل: لماذا حرص الكتّاب والمحررون على تكرار هذه الوصية مرارًا عبر أسفار التوراة؟

