السكة – محطة المقالات
لم يكن إعلان الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS)، بأن ما يجري في غزة يرقى إلى “إبادة جماعية”، حدثًا عابرًا في الجدل الدولي. فهو يمثل أول إجماع واسع من نخبة متخصصة في تاريخ وقوانين الإبادات الجماعية على أن سلوك إسرائيل خلال نحو عامين من الحرب يستوفي التعريف القانوني للإبادة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948.
الغضب الإسرائيلي
ردّ إسرائيل جاء متشنجًا، ووصفت القرار بأنه “عار على المهنة القانونية” ومبني على “معلومات مضللة” مصدرها حماس. لكنها، بهذا الرد، لم تُجب عن السؤال الجوهري: كيف يمكن تبرير سقوط أكثر من 63 ألف قتيل فلسطيني، وتهجير سكان القطاع بأكمله، وتدمير شامل للبنية التحتية، وفرض ظروف معيشية دفعت الأمم المتحدة لإعلان المجاعة؟
السياق الأخلاقي والسياسي
منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 الذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي وأسر نحو 250 آخرين، تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة. غير أن القانون الدولي، كما أكدت رئيسة الرابطة ميلاني أوبراين، لا يجيز استخدام الدفاع عن النفس كذريعة لارتكاب جرائم حرب أو إبادة جماعية.
التقارير الحقوقية والدولية باتت تصف غزة باعتبارها حالة معاصرة لإبادة جماعية: استهداف متعمد للمدنيين، حرمان السكان من الغذاء والدواء، تدمير المستشفيات والمدارس، وقتل آلاف الأطفال.

صراع الرواية والذاكرة
تحاول إسرائيل قلب الأدوار عبر تصوير نفسها “ضحية إبادة” منذ الهولوكوست، غير أن الوقائع المتراكمة في غزة تعكس صورة معاكسة تمامًا. السؤال الأخلاقي الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن لدولة أن تبقى متكئة على ذاكرة مأساة تاريخية بينما تُتهم بممارسة المأساة ذاتها ضد شعب آخر؟
التداعيات المحتملة
- قانونيًا: القرار يمنح زخمًا للملفات المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
- سياسيًا: يحرج الحلفاء الغربيين، وخصوصًا الولايات المتحدة، التي تواصل الدفاع عن الرواية الإسرائيلية.
- أخلاقيًا: يعيد صياغة الخطاب العام عالميًا، ويمنح القضية الفلسطينية سندًا معرفيًا يصعب تجاهله.
بينما تستعد إسرائيل لتصعيد عسكري جديد في مدينة غزة، لم يعد السؤال مقتصرًا على “الحرب ضد حماس”، بل على توصيف أوسع: هل ما يجري هو حرب مشروعة، أم إبادة جماعية موصوفة؟
الإجابة لم تعد في أيدي الساسة وحدهم، بل باتت تُصاغ أيضًا في الجامعات ومراكز البحوث، حيث تتشكل شرعية التاريخ القادمة.

