الخميس, أبريل 30, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتهل مازال احد في البلاد البعيدة يهتم بنا ؟

هل مازال احد في البلاد البعيدة يهتم بنا ؟

السكة – محطة المقالات

يراودني شعور غريب هذه الأيام، كلما أردت أن أكتب وصفاً لما نمر به تحت وطأة الحرب والنار، يقفز في وسط البياض سؤال : لمن تكتب؟ ولماذا ؟ ومن يهتم بهذا الجرح “المفتوح للاعداء والنسيان”؟

هل ما زال هذا أحد في البلاد البعيدة يهتم بنا؟

هل يقرأ أحد هذه الحروف التي تمنع نومي إذ أصفها لأكون كلمة ثم جملة ثم فقرة ثم نص تنزف روحي فيه بينما أحذف منه أكثر ما ابقي عليه خوفا من الحقيقة المُرة .

في أربعة أيام فقط اثنا عشر مليون مشاهدة لأغنية فضل شاكر الجديدة وسط احتفالات بأن قلب الامة ما زال حي يستيجب للشوق اذ يصحيه من النوم.

وسبعة ملايين لهيفاء في ثلاث أيام، وشيرين رجعت لحسام وكيس الشيبس شغل الإعلام جداً أكثر من دمائنا النازفة وأحيائنا النازحة. وطارق سويدان ما زال يعقد دورات في التحدث أمام الجماهير، ورئيس وزراء لبنان يستقبل عمرو دياب. وعمرو دياب يرتدي بنطال مرقطاً لكنه شغل الإعلام ايضاً _ اتحدث عن البنطال_

نحن .. أين نحن من هذه العناوين العريضة ؟!

“وحدنا والله فينا قد تجلى”

الفلسطيني يسير وحيدا في طريق الشوك؛ إن نجا فهو أخ العرب، وإن هلك فقد نال جزاء الأحمق.

في الحي المجاور الطائرات المسيرة تواصل ملاحقة رائحة الناس الهاربين من الموت. تطلق النار على كل ذكرى تحركها رياح في الحارة المفرغة من السكان.

كيف تخلى الأحياء وتصير مسارح أشباح؟ ما اسخف السؤال أمام حلاوة الروح، الروح عزيزة والديار عزيزة أيضا لكن الروح أغلى!

هل رأيت موتى يشيدون سورا لمقبرتهم. من يبني القبور اصلاً للأموات؟ أليس الأحياء؟

لماذا تصر المدينة على قتل نفسها؟! ولماذا يصر العالم على قتل اهل المدينة كلهم ؟

انفجار .. طائرات .. بكاء طفلة خائفة .. ومياه شحيحة في الحنفية لم يتبق من ماء الشرب الا خمس قطرات وعائلتي ست أفراد، علىّ كالعادة التنازل عن حصتي ليستفيد منها شخص آخر في العائلة .

لابد أن يجوع القادة ليشبع الشعب!

الكلاب تنبح خائفةً من شدة الانفجارات تركض تحمل بين أسنانها قطع لحم الضحايا الذين بقوا ليواجهوا مزاج الموت الحاد.

في الصباح قد نتعثر في ساق محمود وذراع احمد وبقايا كف الطفلة شام.

من يعرف شىء عن محمود وأحمد وشام ؟ لا أحد من يهتم اصلاً أن شام كانت تعد الليل بالقطعة حتى يأتي الصباح لتأكل قطعة بيتزا؟ وأن محمود كان يرسل رسالة حب لخطبيته ؟ وأن احمد كان يدرس لامتحان التوجهي بعد أيام؟

عند العدد عشرة توقف الليل فجأة وتحول لانفجار كبير كان آخر انفجار تسمعه شام لا تذكر عدده . لكن الكلاب تعرف جيداً طعم لحمها الطري.

المدينة مجنونة تصر على عقد امتحان الثانوية العامة في قاعات صارت أضرحة، ظن احمد أن يمكنه أن يدرس وحيداً في البيت الفارغ قرر المكوث لوحده طار البيت به واختلط جسده في الركام وتحول لفريسة أخرى للكلاب.

ومحمود العاشق، أرسل: “أحبك” لخطيبته.
لكن الطائرة المسيّرة اعترضت الرسالة في منتصف الطريق، فتحتها فتشتها لم تجد ما يثير الريبة الآلة العسكرية ارتابت، فحوّلت خطيبته إلى أرملة، وجسده إلى وليمة.

الكلاب تهرب مذعورة من الانفجار، تسقط بقايا طعامها في الحيّ الخائف.

لمن تكتب ؟ لا أدري، هل قلت للقراء انك توقفت عن نشر كتابك القادم لأنك تخاف من الفشل.

من احتفل معك بكتابك الأخير “ربع رغيف”
لا أحد.
من كرمك عليه؟
لا أحد
كم طفلاً انقذته حروفك ؟
لا أحد.

لمن تكتب اذاً؟

ولماذا عليك أن تُخبر الناس عن هذه التفاصيل السخيفة.

الناس في العالم مشغولةٌ بكل شىء كل شىء حرفياً وانت لا شى لا شى حرفياً.

أنت رقم، هكذا بسهولة تقرأه مذيعة تقاوم سنوات الأربعين بالمساحيق البيضاء. في نشره عادية تقول سقط اليوم في غزة منذ الصباح ٦٧ شهيدا تعال فتش معي في هذا الرقم النكسة عن أسماء الشهداء لكي اتعرف عليك.

متى مت ؟ أين؟ كيف ؟ من انت اصلاً لكي يحفظ الناس كل هذه التفاصيل.

لمن تكتب؟
لا أدري، ربما لقارىء يحب رقصة حروفي الجريحة في بلاده التي تخلو من الانفجارات.

لماذا تكتب؟
لكي أرجم صمت العالم في وجهه حتى ولو بسطر.

د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا