السكة – محطة المقالات
بعد السابع من أكتوبر، توقّع كثيرون أن تسحب إسرائيل قواتها من الضفة إلى غزة، ما يمنح المقاومة مساحة عمل أوسع. لكن ما حدث كان العكس: عزز الجيش حضوره في الضفة وشرع في عمليات مستمرة تستهدف المجتمع والمقاومة معًا. السبب ليس صدفة؛ إسرائيل تعلمت من تجاربها السابقة، لديها موارد هائلة، وتخطط لأسوأ السيناريوهات. بالمقابل نواجهها بأساليب وتكتيكات مكشوفة، وفي هذا الإطار لعبت السلطة دورًا لا يمكن تجاهله. في السطور التالية أُوجز العوامل الأساسية التي مكّنت الاحتلال من تحييد الضفة، ثم أقدّم خطوات عملية يمكن المضيّ فيها.
العوامل الرئيسية التي ساعدت على تحييد الضفة
- تحييد العامل الشعبي
عززت إسرائيل تواجدها الأمني عبر حواجز وتعزيزات وعمليات اعتقال استباقية للشخصيات الشعبية المركزية. الهدف لم يكن فقط حماية مواقع أو مستوطنات، بل استنزاف المجتمع عبر مداهمات متكررة وضرب مناطق المواجهة واستنقاص معنويات الناس. نتيجة ذلك: اعتقالات واسعة — تفوق 13 ألف معتقل منذ بداية الحرب — مع تركيز على قيادات الحراكات والتنظيمات الشعبية. - تحييد المقاومة وقطع سبل التموين
شُدّدت الرقابة على تهريب السلاح ومواد التصنيع، سواء القادمة من الداخل أو عبر الحدود مع الأردن. إلى ذلك، تعتمِد قوات الاحتلال على منظومة مراقبة متطورة بُنيت خلال عقدين: شبكة كاميرات، تجسس على الهواتف، طائرات مسيرة، وأنظمة تحليل بيانات متقدمة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي. مضافًا إلى سياسة الاغتيالات في شمال الضفة، كل هذا قلّص قدرات المقاومة التشغيلية. - دور السلطة وتوسيع التنسيق الأمني
منذ نهاية 2024 برز دور السلطة في تمكين دخول الاحتلال إلى مخيم جنين وتوجيه ضربات قاسية للمقاومة شمال الضفة. تحول التنسيق الأمني إلى أمر علني وكفء، يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: (أ) تقديم معلومات للاحتلال، (ب) بث الإحباط في المجتمع وإقناعه بعدم جدوى المقاومة، و(ج) اعتقال عناصر المقاومة. الانتقال إلى العلن وزيادة الكفاءة في التنسيق زادا من تأثير السلطة على الساحة. - إعادة تشكيل وعي السكان
نجح الاحتلال — بمساعدة السلطة — في إقناع جزء من سكان الضفة بعدم جدوى المقاومة، مستحضِرًا تجارب الاجتياحات السابقة (خصوصًا 2002) وما تلاها. اللعب على وتر الخوف من تكرار سيناريوهات غزة أثر في المزاج الشعبي وأوصل كثيرين إلى اليأس عن التحرك الشعبي أو العسكري. - إشغال السكان بأزمات يومية واقتصادية
تُستغل الأزمات المعيشية (انقطاع محروقات، تقليص الرواتب والمقاصة، أزمات مصرفية، حواجز تعيق حركة البضائع والناس) كأدوات لضبط السلوك العام. هذه الدوامة تجعل المواطن منشغلاً بالبقاء اليومي بدل التفكير في التنظيم أو الانتفاضة.
مقترحات عملية (ما يمكن العمل به)
لا حلول سحرية، لكن هناك خطوات عملية وممكنة:
أ. إنعاش الساحة الشعبية وتجديد القيادة المدنية
دراسة سُبل لإحياء الحراك الشعبي، والبحث عن بدائل للشخصيات المركزية المعتقلة، وتفعيل دور الجامعات والمدارس كمراكز للنشاط الجماهيري (مع حلول تقيّد التجاوزات التي أدّت إلى إجهاض الدور عبر “الدوام الإلكتروني”).
ب. تحديث تكتيكات المقاومة الشعبية
تجديد وسائل العمل الشعبي والبحث عن ثغرات في منظومة الاحتلال الأمنية؛ أمثلة بسيطة وفعّالة مثل تكثيف إغلاق الطرق الاستيطانية بالحجارة أو أساليب غير مكلفة تُربك الحركة اليومية للمستوطنين والقوات. المهم التنويع والتكتيك الخفي بدل الاعتماد على أساليب معروفة.
ج. إعادة بناء الثقة وتوعية الناس بجدوى المقاومة
كثيرون في الضفة يشعرون بالحاجة للتحرك لكن يفتقرون للإقناع والجرأة. هذا يتطلّب خطة إعلامية وانتشارية طويلة المدى تشرح أهداف المقاومة، وسائلها، ونتائجها المحتملة، مع إبراز قصص نجاحات محلية صغيرة تُعيد الأمل.
د. مفاصلة سياسية واعتماد موقف واضح تجاه السلطة
العلاقة الملتبسة مع السلطة — حيث تنتقدها الفصائل ثم تجلس معها للحوار — تولّد ارتباكًا وتهدئة زائدة. لا أقصد الدعوة للصدام؛ بل موقفًا سياسيًا وإعلاميًا حاسمًا وواضحًا يقلّل من قدرة السلطة على بث الإحباط والهزيمة النفسية.
هـ. الاستعداد للفرص المستقبلية
لا يمكن للاحتلال أن يبقى في حالة استنفار دائم إلى الأبد. يجب إعداد خطط استعدادية لمرحلة تراجع استنفار الاحتلال: تنظيمات بديلة، قيادات احتياطية، استعدادات لوجستية وتنظيمية سريعة للاستفادة من أي تراجع مؤقت.
و. ابتكار آليات للتعامل مع منظومات المراقبة
التفكير في حلول عملية وعملية للتغلب على المراقبة الإلكترونية والبصرية: تغيير سلوكيات الاتصال، استخدام قنوات بديلة وآمنة، اشتغال على الطبقات المجتمعية للحد من معلومات الاستخبارات المتاحة.
السيناريو في الضفة معقّد ويصعب اختزاله في وصف واحد؛ إلا أن ما حدث يبيّن أن العدو استفاد من خبرته وموارده، بينما نحن ظللنا نعمل بأساليب معروفة ومكشوفة، ومع ذلك هناك فضاءات واسعة للعمل إذا ما تم تجديد الخطاب، تنويع التكتيكات، وإعادة بناء الثقة الشعبية. التغيير لا يأتي بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بخطة واقعية ومنهجية ومستمرة

