الثلاثاء, أغسطس 18, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةشهية الإمارات لذهب إفريقيا و الحرب السودانية

شهية الإمارات لذهب إفريقيا و الحرب السودانية

السكة – المحطة العربية

يتحرك الذهب المستخرج من مناطق النزاع السودانية في مسارات سرية تمر عبر المهرّبين والميليشيات والوسطاء، قبل أن يستقر في دبي، حيث يتحوّل إلى أداة للنفوذ السياسي والمالي. ومع تفاقم انهيار الدولة السودانية وتعاظم دور الجماعات المسلحة، أصبح الخليج ــ وتحديدًا الإمارات ــ مرتبطًا بشكل مباشر بأكثر جبهات أفريقيا هشاشة.

من جبل عامر إلى خارطة النفوذ

بدأت القصة في منتصف 2012 حين اكتشف ثلاثة شبّان منقبون عن الذهب إشارات معدنية قرب منطقة جِلي قادتهم إلى جبل عامر – الذي سيُعرف لاحقًا بـ“جبل الذهب”.

سرعان ما تحوّلت المنطقة إلى مقصد آلاف العمال والمنقبين، لتبدأ موجة عنف واسعة بعد نزوح الجنجويد والسيطرة على المناجم وتهجير السكان.

بحلول 2017، أحكمت قوات الدعم السريع (RSF) السيطرة على جبل عامر عبر شركة الجنيد التابعة لمحمد حمدان دقلو (حميدتي)، ليصبح الذهب المصدر الأول لتمويل عملياتها العسكرية.

السودان: عملاق الذهب العربي

يُعد السودان أكبر منتج عربي للذهب، بوجود أكثر من 40 ألف موقع تنقيب و60 شركة تكرير منتشرة في 13 ولاية.

تحوّلت الإمارات سريعًا إلى الوجهة الأولى للصادرات السودانية، وتحكمت شركات مرتبطة بحميدتي في تدفقات الذهب إلى دبي.

وفق منظمة Global Witness، تبلغ قيمة صادرات الذهب السوداني للإمارات نحو 16 مليار دولار سنويًا، بينما تُسجَّل رسميًا نصف الكمية فقط.

في عام 2023، ومع اتساع نطاق الحرب، تحول الذهب إلى “خزينة حرب”، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على 11 شركة – معظمها إماراتية – لدورها في تمويل قوات الدعم السريع.

شبكات تهريب تمتد من دارفور إلى دبي

قبل الحرب، كان الذهب يشقّ طريقه من دارفور إلى تشاد، ومنها إلى الإمارات عبر شحنات تجارية وطائرات خاصة. ومع توسع نفوذ الدعم السريع، توسّعت خطوط التهريب نحو جنوب السودان وليبيا ومصر.

اعتمدت قوات حميدتي أساليب جديدة بعد فقدان السيطرة على الخرطوم وبورتسودان، منها:

  • نقل الذهب عبر الدراجات النارية.
  • شحنات جوية من نيالا تُموّه كبضائع زراعية.
  • رحلات ليلية قصيرة لتفادي الرصد.

وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة سلسلة تربط بين تهريب الذهب وشحن الأسلحة، ما يكشف تشكّل اقتصاد حرب متكامل بين دارفور ومصافي الذهب الإماراتية.

شهيّة إماراتية لذهب القارة السمراء

لا يقتصر الحضور الإماراتي على السودان؛ إذ تُظهر بيانات رويترز أن الإمارات استوردت 446 طنًا من الذهب من 46 دولة أفريقية خلال عام واحد بقيمة 15.1 مليار دولار.

غير أن بيانات “كومتريد” تكشف فجوات خطيرة:

  • 25 دولة أفريقية لم تسجل أي صادرات للإمارات،
  • و21 دولة سجلت أرقامًا أقل بكثير مما أبلغت عنه الإمارات عند الاستيراد.

أمثلة لعمق التغلغل:

  • غانا: 229 طنًا مفقودة خلال 5 سنوات (11.4 مليار دولار).
  • مالي: 81% من الذهب تُستخرجه شركات مرتبطة بالإمارات.
  • بوركينا فاسو: تهريب بقيمة ملياري دولار في 2024.
  • ليبيا: خسارة 50–55 طنًا منذ 2011 عبر شبكات تنتهي بدبي.
  • اليمن: توسع شركات إماراتية في حضرموت وتعز عبر المجلس الانتقالي.

لماذا تحتاج الإمارات إلى ذهب أفريقيا؟

رغم افتقارها لمناجم محلية، بنت الإمارات منظومة ضخمة لصناعة الذهب وتجارته:

  • مصافي،
  • شركات شحن،
  • مناطق حرة،
  • تنظيمات مرنة،
  • وسوق دبي للذهب الأكبر في المنطقة.

للحفاظ على مكانتها العالمية، تحتاج الإمارات إلى تدفق ثابت وكبير من الذهب الخام، يأتي في معظمه من مناطق ضعيفة الرقابة.

من الناحية المالية، ولأن العالم يتجه لتقليل الاعتماد على الدولار، صعدت الإمارات كأحد أهم مراكز تخزين الذهب عالميًا، خصوصًا بعد انضمامها إلى مجموعة بريكس (BRICS) عام 2024.

شبكة ذهب عالمية بُنيت على فراغ تشريعي

بحسب تقارير دولية، استوردت الإمارات 1,400 طن من الذهب في 2024 وحدها بقيمة 105 مليارات دولار، يأتي أكثر من نصفها من أفريقيا عبر مسارات غير قانونية.

أبرز الثغرات:

  • المسافرون لا يُطلب منهم التصريح عن الذهب عند الدخول.
  • نماذج الشراء تُملأ ذاتيًا دون تدقيق.
  • لا يُسأل التجار عن بلد المنشأ.
  • تُباع كميات ضخمة من الذهب غير القانوني في الأسواق قبل وصولها إلى المصافي.

هذه الثغرات ساهمت في وضع الإمارات على قائمة FATF الرمادية عام 2022، قبل رفعها وسط تشكيك بأن القرار سياسي.

تستفيد الإمارات من استمرار الحروب، ومن تآكل الحكومات، ومن الميليشيات التي تتحول إلى شركاء اقتصاديين في اقتصاد عالمي للذهب.

في هذا السياق، يصبح الذهب رأسمالًا سياسيًا وأداة نفوذ تمتد من جبال دارفور إلى قلب أبوظبي.

وما يُنتزع من أفقر المناطق يعود كقوة وتأثير في يد واحدة من أكثر الدول حضورًا في المشهد الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا