السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
في رام الله، لا تحتاج إلى برنامج إصلاح ولا إلى لجان نزاهة، كل ما تحتاجه هو لسان ناعم، بدلة رسمية، وكاميرات… ثم افتح خزائن الشعب وسمِّ ذلك “إدارة حكومية”. هكذا وُلد نموذج محمد اشتية، الرجل الذي دخل السلطة “بالمظلة”، وخرج منها – نظريًا – بينما ما زالت ظلاله المالية تتكاثر كالأشباح في دفاتر المفقودات.
محمد اشتية ليس حالة شاذة، بل هو المنتج الأنجح لمصنع الفساد الرسمي في سلطة رام الله. سلطة لا تحكم شعبًا، بل تدير شركة عائلية، رأس مالها المساعدات، ومجال عملها: بيع الوهم، وتأجير الوطن، وتقسيط الكرامة.
من نابلس إلى مدريد… ومن مدريد إلى الحسابات الأوروبية
يُقدَّم اشتية كـ”أكاديمي”، “خبير اقتصادي”، “تكنوقراط”، لكن التجربة الفلسطينية علمتنا أن هذه الصفات غالبًا ما تكون شهادات حسن سلوك للنهب المنظم. فمنذ مدريد إلى نيويورك، لم تكن المفاوضات اقتصادية بقدر ما كانت استكشافًا لفرص الاستثمار الشخصي، حيث تذوب “المصلحة الوطنية” فجأة عندما تلتقي مع مصلحة أبناء الرئيس وكبار المنتفعين.
الرجل الذي سأل الفلسطينيين ذات يوم:
“بدنا وطن أكثر ولا فلوس أكثر؟”
كان – ويا للمفارقة – قد حسم خياره منذ زمن… فلوس أكثر، طبعًا، لكن له وحده ومن معه.
كلما انكشفت فضيحة… تمت الترقية
في أي دولة تحترم نفسها، تُفتح التحقيقات عند الاشتباه بالفساد.
في رام الله، يُفتح منصب وزاري جديد.
اتهامات هنا، ملفات هناك، تقارير رقابة تتراكم… والنتيجة؟
وزير ثم رئيس حكومة ثم “استقالة هادئة” ثم صمت رسمي مطبق، كأن شيئًا لم يكن.
2.5 مليار دولار دعم أوروبي “تبخرت”.
مشاريع عامة بلا مستندات.
مكافآت خارج الدفاتر.
مدارس ومستشفيات بأموال “لا يُعرف لها أب ولا أم”.
وحسابات في أوروبا يُقال إن أرقامها أكبر من عدد أسِرّة مستشفيات غزة المحاصرة.
لكن لا تقلقوا… هي مجرد شائعات في دولة لا تملك قضاءً مستقلًا.
حكومة على غزة… وحنجرة على الميكروفون
إذا أردت أن تفهم حقد سلطة رام الله، انظر إلى غزة.
لا كهرباء؟ لا مشكلة.
لا رواتب؟ “الالتزام المالي صعب”.
لا دواء؟ “الظروف السياسية”.
محمد اشتية قاد واحدة من أكثر الحكومات قسوة وتجويعًا بحق غزة، ليس باسم السياسة، بل باسم العقاب الجماعي، وكأن مليوني إنسان مشروع انتقام شخصي.
أما حين خرج الفلسطينيون غاضبين بعد اغتيال نزار بنات، لم تُفتح تحقيقات حقيقية، بل فُتحت الهراوات. قُمعت المظاهرات، ضُرب الناس في الشوارع، وكل ذلك تحت عنوان:
“الحفاظ على النظام”
أي نظام؟ نظام السرقة الهادئة؟
سلطة الإصلاح… إصلاح الفاسدين لأنفسهم
اليوم، يتحدثون عن “إصلاح”، عن “مكافحة فساد”، عن “مرحلة جديدة”.
لكن كيف تُصلح بيتًا أساسه من اللصوص؟
وكيف تحاسب سلطةً إذا كان القاضي موظفًا، والنيابة خاضعة، والملفات تُدفن قبل أن تُفتح؟
محمد اشتية ليس المشكلة…
هو العَرَض.
المشكلة هي سلطة ترى الوطن غنيمة، والشعب عبئًا، والمقاومة خطرًا، والفساد “سوء تفاهم إعلامي”.
وفي النهاية، لا تغرق سلطة رام الله لأنها فشلت في الإصلاح،
بل لأنها نجحت جدًا في الفساد…
حتى على السطح، ولم يعد ينفع معه لا مكياج سياسي، ولا خطابات اقتصادية، ولا “مقاومة ذكية”.
فالفساد، مهما ارتدى ربطة عنق، تبقى رائحته أقوى من كل البيانات الرسمية.

