السكة – محطة المقالات – كتب عمر النادي:
بعد موجة التهويل الإعلامي التي اجتاحت العالم مؤخرًا، على خلفية ما روّج له باعتباره «اختطافًا واعتقالًا للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو»، بات من الضروري كسر هذه السردية المصنوعة بعناية، لا لأنها خاطئة فحسب، بل لأنها تمثل نموذجًا فجًّا لكيفية تزوير الوعي العالمي تحت لافتة «الإنجاز العسكري».
ما جرى لم يكن عملية إعجازية، ولا ضربة استخباراتية خارقة، ولا استعراضًا لقوةٍ لا تُقهر، كما يحاول الإعلام الأمريكي-الصهيوني وأذرعه الدعائية أن يقنعونا. ما حدث – بكل بساطة ووضوح – كان خيانة مكتملة الأركان. الرئيس الفنزويلي لم يُنتزع من قلب نظامٍ صلب، ولم تُقتحم تحصيناته بمهارة أسطورية، بل سُلِّم تسليمًا من الداخل، عبر اختراق المؤسسة العسكرية نفسها. وهذه الحقيقة وحدها تُسقط الرواية من أساسها.
الحديث عن أن العملية استغرقت «أقل من دقيقتين» ليس سوى نكتة سوداء في تاريخ التضليل الإعلامي. فالولايات المتحدة لم تبدأ صراعها مع فنزويلا بالأمس، بل أمضت أكثر من خمسة عشر عامًا في محاولات انقلاب، وحصار اقتصادي، وتجفيف موارد، واختراق نخب، حتى نضجت لحظة الخيانة. وعندما تنجح أخيرًا، تُختصر كل تلك السنوات في «دقيقتين» لإيهام العالم بأن أمريكا تحسم مصائر الدول بلمح البصر.
الرواية الرسمية تريدك أن تتخيل قوات “دلتا” تحلق فوق كراكاس، تتجوّل في العاصمة، بينما المواطنون يصورون المشهد بهواتفهم، دون أن يسأل أحد:
أين الجيش؟
أين القوات الخاصة؟
أين الحرس الرئاسي؟
وأين الدولة أصلًا؟
هذا الصمت ليس سهوًا، بل اعترافًا غير مباشر بأن ما جرى لم يكن اقتحامًا خارجيًا بل انهيارًا داخليًا.
وهنا يجب قول ما لا يريدون سماعه:
الولايات المتحدة ليست قوة لا تُهزم. ليست غولًا، ولا وحشًا أسطوريًا، ولا آلة حرب خارقة. أمريكا كما إسرائيل تخوض حروبها الحقيقية قبل أن تطلق رصاصة واحدة، عبر زرع العملاء، شراء الذمم، اختراق النخب، وإعادة تشكيل مراكز القرار من الداخل. وعندما تسقط الدول، تسقط من الداخل أولًا، ثم يأتي الجندي الأمريكي لالتقاط الصورة التذكارية.
ولو كانت قوات “دلتا” فعلًا تلك النخبة الأسطورية التي يتباهى بها الإعلام الأمريكي، لكان سجلها العسكري مختلفًا. لكن الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا:
في غزة، فشلت فشلًا مهينًا.
في اليمن، أخفقت.
في الصومال، انكسرت.
في أفغانستان، ضاعت أهدافها.
وفي إيران، سقطت سياسيًا وعسكريًا معًا.
في قطاع غزة، وبشهادة دوغلاس ماكغريغور، المستشار السابق في البنتاغون، دخلت قوات “دلتا” إلى عمق القطاع بعد فشل الموساد والشاباك في تحديد أماكن الأسرى. ما واجهته هناك لم يكن جيشًا نظاميًا، بل مقاومة تعرف الأرض، وتعرف متى تضرب ومتى تختفي. طلقات محسوبة، ظهور واختفاء، شبحية قاتلة أربكت نخبة النخبة، وانتهت العملية بانسحاب مذل وترك معدات ثقيلة استولت عليها المقاومة.
هذه ليست هزيمة عسكرية فقط، بل هزيمة نفسية، وهو ما يفسر تضاعف أعداد الجنود المصابين باضطرابات نفسية داخل جيش الاحتلال، ووجود أجنحة كاملة مخصصة لهم في المصحات.
وفي إيران عام 1980، خلال عملية “مخلب النسر”، تحولت مهمة إنقاذ رهائن إلى كارثة: قتلى، انسحاب، وإلغاء العملية، وسقوط جيمي كارتر سياسيًا.
وفي مقديشيو 1993، تحولت عملية اعتقال إلى ملحمة إذلال انتهت بسحل جثث الجنود في الشوارع، وانسحاب أمريكي كامل من الصومال.
وفي تورا بورا، فشل اعتقال بن لادن، وهربت القيادات.
وفي اليمن، فشلت عملية إنقاذ رهائن وقُتل أحدهم.
هذا هو السجل الحقيقي، لا ما يُعرض في أفلام هوليوود.
الخلاصة التي يجب أن تُقال بلا تردد:
قوات “دلتا” ليست قوة خارقة، بل قوة بلا عقيدة، تقاتل من أجل الهيمنة لا من أجل قضية، ولهذا تنهار نفسيًا عند أول مواجهة مع خصم يؤمن بما يقاتل من أجله.
الأسطورة الأمريكية لا تقوم على الجندي، بل على الخيانة.
ولا تنتصر بالرصاص، بل بالاختراق.
ولا تُسقط الدول بالقوة، بل بإقناع بعض أبنائها ببيعها.
لذلك، لا تخافوا من صورة الجندي الذي لا يُقهر. هذا الجندي نفسه يعود ليُعالج نفسيًا، ويطاردُه ما رآه في غزة، وأفغانستان، والفلوجة، والصومال، واليمن.
الخطر الحقيقي ليس أمريكا،
الخطر هو من يفتح لها الباب من الداخل.
هذه هي الحقيقة التي يجب قولها في وجه المهووسين بالتهويل، وعشّاق التطبيل للغرب، والمنبطحين لرواية القوة المطلقة، لأن التاريخ لمن يقرأه سيخبرك شيئًا آخر تمامًا.
ملاحظة : الاراء الواردة في المقال لا تعبر عن وجهة نظر موقع السكة بل هي رأي كاتب المقال

