السكة – المحطة الثقافية – كتب جميلة ابو غليون
عزيزي ثيو..
أمضيت ليلتي وأنا أحاول النوم، كانت الكوابيس الشرسة تهجم علي، تنال مني، رأيت قطار الحياة يفوتني بسرعة، وأنا ألهث للوصول إلى العربة الأخيرة، جلست أطالع ابتعادها، عربةً عربة، كنت قريباً منها، أوشكت أمسكها، بينما كانت تتلاشى تدريجيًّا، لم أعد أستطيع أن ألمحها، غابت في الضباب، واختلطت بالرّماديّ، هربت أفكاري، كَـالعصافير التي أفزعها الفلاح، حاولت أن أتخلص من رأسي الثمل بالألوان والحروف.
كَـوعاءٍ يفيض بهما، كانت الأفكار تنسكب مني مع كل حركة، أخذت ألواني، ومشيت في الحقول الصفراء النائمة والنعاس يطالها، بينما تتمايل كثيرًا. السيقان ثملة بالمواجع، لا تستطيع حمل رأسها المحشو هذا، تتراقص بشكل جماعي، تهزّ بعضها بعضًا، وترخي جفونها للفجر.
النعاس في الحقول يكون بالتجاور، كل زهرة تلقي حملها المتعب على الأخرى، كان اللون الأصفر يمنح الحقلَ الفرحَ.
عزيزي.. إنّي أشبه هذه الأزهار، جسدي أهزل من أن يحمل هذا الرأس، يتمايل تحتي، أراه ينحني كثيرًا، أحاول أن أجرَّه، وأن أسير به، لكنه متعب يا ثيو، ليس الجسد، بل هذا الرأس الكبير.
عزيزي.. ما زلت أسمع صوت القطار يبتعد شيئًا فشيئًا، هنالك شيء ما ذهبَ منّي معه، إنها بهجة الحرف، شغف الوصول، وكوابيس الانتظار، لكن الكوابيس تنال مني، ومن عزائمي.
أقلقتني الواجبات الكثيرة، وهذا النهار الذي لا أعلم محتوياته، لم يعد يخيفني نهار ابتعدت فيه عن كل شي، بدأت الأشياء هادئة وادعة، أخذت ألواني، وحملت لوحاتي، وسرت في الحقول. كنت أنتظر وصول حلم آخر، حتى الأحلام ليست وردية، تنهال علينا كوابيس شرسة من كل مكان، تشعر أن الليل طويل جدًّا، والوسادة ثقيلة، وشبح التفكير ينهش رأسك، لم يكن الليل بالنسبة لي غير الأسود الذي يهبط على الأشياء، فينزع لونها، وتختلط معه.
كان ليلي هذا صاخبًا بالكوابيس المخيفة، وجدت الحياة في الخارج أجمل من أحلامي، الفراشات تدور حولي بانتظام، أشعة الشّمْس الذهبية تسقط بانكسار خجول على الحقول، لونُ السّماء الليلكيّ كَـالبحر، والغيوم الـمُتموِّجة تغوص في كبد السّماء وتضربها بعنف، أفكاري تشبه عبَّاد الشّمْس؛ مريض، أصفر، شاحب الأوراق مثلي.
أرى وجهي يميل للأصفر، حاولت تجميله، أريد أن أشكّله من جديد، أن أعيد رسمه.
جلست أتأمل الفجرَ والخطوطَ والألوان. أفكاري تشبه قطرة ماء تسقط في وعاء حديدي تثير هلعي، وحدها تنادي عليّ من بعيد، ياه.. الفكرة، الفكرة تحاول معي من جديد، فأحاول ألّا أفعل.
عزيزي ثيووو.. أريد أن أنهي كل شي.
أرجوك سامحني.

