السكة – المحطة الثقافية
لقد صنعت الإبادة ما لم يسبق لغزة أن تجربه أهمها كان الشعور ونقيضه في لحظة واحدة
فرحاً وحزناً
كمداً وصبراً
لم يتنازل فيها الغزي عن لحظته بل سلبت منا فكرة أن تدخل إلى شعورك وتنفجر به وحدك.
لا أحد ينكر ذاك الذي يدور في بال كل غزي منذ الأمس حزن ثقيل ثقيل جداً، وفرح خفيف يسحبه بأنه ما زال!
مازال شاهداً!
خجلاً من كل ما حدث!
خائفاً مما سيحدث!
بداخل كل صدر غزي الآن صورة الناجي الوحيد!
ناج يحمل مقبرة بين يديه
تشده خيوط خفيفة نحو الأمل والحياة
مثقل بمقبرته التي يحملها
وروحه ترقب الفرح بالنجاة!
منذ الأمس والجميع يرسل فرحه لي بهذا الخبر بهذه النجاة!
هشة
مؤقتة
دائمة
ثابتة
قلقة
لا يمكن رصد شعور في إجابتي!
علق معي سؤال واحد منذ بدء ما حدث:
كل ده كان ليه؟
يذهل البعض هذا “الرواق” لكنني بحاجة لسؤال يشغل مساحة الانتظار
سؤال عالق بين خيارات كثيرة!
تماماً مثل ما نحن عالقين فيه الآن
حزن يرمق الفرح بعين
وفرح يرمق حزن ثقيل ويرجوه
الخفة!
أسرار كثيرة دارت ببالي في أيام الحرب الأخيرة
يزورني كل صباح جملة في أغنية
نسيوا بعضن وارتاحوا!
من ذا الذي يظن في النسيان راحة؟
كانت حيلة دفاعية جيدة للتخلي عن عبء الذكريات التي تقفز عن المدينة والبيت واللحظة ما قبل كل هذا!
انتفض صديق قبل يومين وقال:
ليس للشعور مفتاح تحكم!
ولكن أين هو الشعور الآن؟!
الأسبوع الماضي استطاع اثنين من إخوتي الدخول إلى جنوب القطاع بعد غياب تسعة شهور لظروف عمل تتطلب تواجدهم في مدينة غزة!
وصلا والوقت يركض
لا وقت
سمح الاحتلال بإقامة مدتها 48 ساعة فقط!
عليك اختبار شعور
الاشتياق
واللقاء
موزعاً بصدق وعدل بعد
قلق وخوف لمدة تسعة شهور
مختصراً في 48 ساعة فقط!
دار السؤال:
نحن نريد الحرب أن تقف من أجل اللقاء؟
لقد حدث اللقاء لكنه كان منقوصاً
كنا نريد حضناً بعتبة البيت
لا عتبة بيت النزوح تبكي السيدة المستضيفة
وتحكي عن قشعريرة أصابتها؛ ليعود السؤال:
كل ده كان ليه؟ .
وحين عادا كان علي أن أخبئ بعض ما تبقى من أمل للقاء بغادة أختي التي مازالت الحرب تمنعها حتى اللحظة من الخروج من بوابة المستشفى!
يزورني سر آخر مشوب بالترقب:
أغداً ألقاك؟
يا خوف فؤادي من غدٍ!
أرسلت لي آمنة الصديقة طلباً تحضن فيه أبي حين اللقاء!
وافقت وحذرتها من دموع أبي!
كتبت: خلي هالدموع تطفي نار القلوب وشوقها!
تطوف بي تساؤلات كثيرة قد تبدو الإجابة عليها خيالاً أو ضرباً منه وما زلت عالقة في سؤالي الأول:
كل ده كان ليه؟
يجاوره آخر!
أغداً ألقاك؟
الشعور في بال كل غزي منذ الأمس
يا خوف فؤادي من غدٍ!
غدٍ بلا ولا شي!
واحدة من تساؤلات الأصدقاء بالأمس
“وين هتروحي؟” فش بيت!
لقد طال شوقنا للكثير
أننا نخشى غدنا لكننا نرجوه اقترابا!
أما الآن ما يهم هو السؤال الذي يدور
كيف لناج وحيد يحمل مقبرته
أن يكون متمسكاً بثبات ووجل حزنه، وألا يفرح بانتصاره على الموت الثقيل؟
لقد استدان الأمل مرات ومرات وهابه!
يبدو أمراً جيداً الآن لو أسمينا هذه اللحظة:
“اااه من فرحة أحلامي، ومن خوف ظنوني”
يناير 2025

