السكة – المحطة الثقافية – كتب المخرج يحيى بركات
جوهر الاعتراض الفلسطيني على الإنتاج المشترك مع إسرائيليين
الرفض الفلسطيني لأي تعاون ثقافي مع الإسرائيليين ليس موقفًا نخبويًا متعاليًا، ولا هو مزايدة أو تشدد أيديولوجي، بل هو خيار سياسي مبدئي ينبع من فهمٍ عميق لآليات السيطرة الاستعمارية. إن أي تعاون ثقافي مع إسرائيليين، بغض النظر عن مواقفهم الفردية، يمنح الاحتلال فرصة لإعادة إنتاج نفسه كدولة “ديمقراطية” تحوي “أصواتًا معارضة”، بينما هو في الحقيقة نظام استعماري استيطاني قائم على الفصل العنصري والإبادة الجماعية.
حتى وإن كان الفيلم ينتقد الاحتلال، فإن مشاركة الإسرائيليين في إنتاجه تُستخدم دوليًا كدليل على وجود “إسرائيليين جيدين” يمكن التعاون معهم، ما يخفف الضغط على الاحتلال ويمنحه شرعية زائفة. في ظل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة، يصبح أي تعاون مع الإسرائيليين، حتى مع من يدّعون معارضة الاحتلال، شكلًا من أشكال التطبيع، لأنهم يظلون جزءًا من المنظومة الاستعمارية ويستفيدون من امتيازاتها.
“لا أرض أخرى”.. إشكالية البنية السياسية
ليست المشكلة في فيلم No Other Land بحد ذاته، ولا في حسن نية بعض المشاركين فيه، بل في البنية السياسية التي يسمح لها هذا النوع من التعاون بالاستمرار. فالتعاون الثقافي مع الإسرائيليين لا يخدم الرواية الفلسطينية، بل يخلق التباسات خطيرة تُستخدم لصالح الاحتلال. هناك من يرى أن الفيلم يفضح جريمة تهجير الفلسطينيين من مسافر يطا، وهي قضية لا يعرفها كثيرون حتى داخل فلسطين، وأن هذا وحده كافٍ لتبرير وجود إسرائيليين في العمل. لكن السؤال الأهم هو: ما الأثر السياسي طويل المدى لهذا التعاون؟
لماذا لا يُنظر إلى هذا الفيلم ضمن سياق أوسع، كما نُظر إلى اتفاق أوسلو حين قُدم للعالم باعتباره “إنجازًا” للفلسطينيين، بينما كان في الحقيقة وسيلة لمنح إسرائيل وقتًا ومساحةً لتعزيز احتلالها وتقويض التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية؟
من أوسلو إلى التطبيع الثقافي.. إعادة إنتاج الخديعة
قبل أوسلو، كانت القضية الفلسطينية تحظى بتضامن عالمي واسع، وكانت الضغوط الدولية على إسرائيل تتزايد، تمامًا كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. لكن بعد توقيع الاتفاق، استُخدمت “عملية السلام” كذريعة لإضعاف حركات التضامن، وتصوير المقاومة الفلسطينية على أنها “إرهاب”، بينما استمر الاحتلال وتوسع الاستيطان.
اليوم، يتكرر السيناريو نفسه عبر مشاريع ثقافية وفنية توظَّف لتصدير صورة زائفة عن “تعايش” مزعوم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الإعلام الغربي والحكومات الداعمة لإسرائيل تستغل هذه المشاريع للترويج لفكرة أن المشكلة ليست الاحتلال نفسه، بل هي مجرد “نزاع بين طرفين”، مما يضعف الزخم التضامني مع القضية الفلسطينية.
لا يمكن إنكار أن هناك جهدًا غربيًا ممنهجًا منذ عقود لتقديم صورة “التعايش” كبديل عن الاعتراف بالحقيقة الاستعمارية للصراع. يتم تنظيم فعاليات ثقافية وأكاديمية يشارك فيها فلسطينيون وإسرائيليون كـ”شركاء”، وتُلتقط لهم الصور معًا في لقاءات رسمية، ليُستخدم ذلك في ترويج سردية مفادها أن “السلام ممكن”، وأن من يرفضه هو المتطرف.
أنا شخصيًا تعرضت لمثل هذه المحاولات خلال زيارة رسمية لفرنسا، حيث طُلب مني الظهور في صورة مشتركة مع وفد إسرائيلي، وهو ما رفضته بشكل قاطع، لأنني أرفض أن أكون جزءًا من مسرحية دعائية تخفي حقيقة الاحتلال.
حرب غزة.. السقوط المدوي لوهم “الإسرائيلي الجيد”
إن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في غزة خلال العام الماضي كشفت بوضوح زيف الادعاءات حول وجود “إسرائيليين جيدين” مؤثرين في المشهد السياسي. أين كانوا طوال 470 يومًا من القصف المستمر؟ أين احتجاجاتهم الواسعة؟ أين عصيانهم المدني؟
ما رأيناه هو أن الغالبية العظمى، حتى من يسمون أنفسهم “معارضين”، إما أيدوا العدوان أو التزموا الصمت. لم يكن هناك رفض جماعي للخدمة العسكرية، ولم نشهد حراكًا إسرائيليًا واسعًا ضد الإبادة الجماعية. هؤلاء المعارضون ربما يختلفون مع حكومتهم على سياسات معينة، لكنهم في النهاية جزء من المنظومة الاستعمارية نفسها، وما يسمى بـ”معارضتهم” لا تُغيّر من طبيعة النظام العنصري الذي ينتمون إليه.
المثقفون الفلسطينيون الذين يدافعون عن مشاريع ثقافية مشتركة مع إسرائيليين يجب أن يسألوا أنفسهم: هل يمكن الحديث عن “إسرائيلي جيد” في وقت تُباد فيه عائلات بأكملها؟ هل يمكن الترويج لفكرة “النضال المشترك” بينما يُقتل الأطفال الفلسطينيون تحت أنقاض منازلهم؟
ما العمل؟
يجب على العاملين في الحقل الثقافي والأكاديمي أن يدركوا خطورة أي شكل من أشكال التعاون مع الإسرائيليين، خاصة في ظل الإبادة الجماعية الجارية.
لا بد من مقاومة كل محاولات التطبيع الثقافي بشكل حاسم، وعدم السماح بتمرير حجج مثل “التعاون النضالي المشترك”، لأن التجربة أثبتت أن هذه الحجج تُستخدم في النهاية لصالح الاحتلال.
تعزيز حركة المقاطعة (BDS) باعتبارها الأداة الأقوى لعزل إسرائيل دوليًا، ورفض أي تعاون يضر بها.
التركيز على ترسيخ الرواية الفلسطينية الواضحة: أن إسرائيل كيان استعماري إحلالي، وليس “دولة بها معارضة”، وأن التعامل معها على هذا الأساس هو السبيل الوحيد للحفاظ على الموقف الفلسطيني الصارم.
الخاتمة: لا استعمار بوجه إنساني
ما نحذر منه اليوم هو أن تكرار أخطاء أوسلو عبر مشاريع ثقافية “تعايشية” سيؤدي إلى إضعاف حركة التضامن الدولي وتشويه طبيعة الصراع. إن رفض التعاون مع إسرائيليين، حتى لو كانوا “معارضين”، ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل هو ضرورة سياسية واستراتيجية للحفاظ على القضية الفلسطينية من التمييع والتشويه.
لا يوجد استعمار بوجه إنساني، ولا يوجد “إسرائيلي جيد” خارج المنظومة الاستعمارية. المطلوب ليس البحث عن “شركاء سلام”، بل العمل على تفكيك النظام الاستيطاني الاستعماري بالكامل.

