السكة – محطة عرب تكساس
في واقعة تثير القلق وتسلّط الضوء على إهمال مزمن في التعامل مع المعلومات الحساسة داخل المؤسسات الحكومية، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” عن حادثة خطيرة جرت فصولها بهدوء عبر منصّة «غوغل درايف»، حيث تمّ عن طريق الخطأ، مشاركة مجلد إلكتروني يحتوي على بيانات أمنية بالغة الحساسية مع أكثر من 11,200 موظف في إدارة الخدمات العامة، دون أن يُدرك أحد حجم الخرق إلا لاحقًا، أثناء عملية تدقيق أمني روتينية.
المجلد المسرَّب لم يكن عادياً. فقد ضمّ مخططات لطوابق داخل البيت الأبيض نفسه، وتصميمات لباب مقاوم للانفجارات في مركز الزوار، فضلاً عن بيانات مصرفية تخص متعهدًا شارك في مؤتمر صحفي خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد بدا أن هذه الملفات تعود إلى بدايات عام 2021، أي مع تسلم إدارة الرئيس جو بايدن مقاليد الحكم، واستمر تداولها داخليًا حتى وقت قريب دون اكتشاف الخطأ.
الوثائق، وعددها 15 ملفاً، احتوى تسعة منها على تصنيف «CUI» (أي معلومات غير مصنفة رسميًا، لكنها خاضعة للرقابة وفق السياسات الفيدرالية)، مما يعني أنها محمية، ويُفترض أن تبقى ضمن نطاق ضيق من التداول. لكن المفارقة أن عشرة من هذه الملفات كانت مفتوحة ليس فقط للعرض بل أيضاً للتعديل من قبل آلاف الموظفين، ما فاقم من حجم التهديد الأمني المحتمل.
عند اكتشاف التسريب، سارع مكتب المفتش العام في إدارة الخدمات العامة إلى فتح تحقيق فوري، فيما تم إبلاغ فريق الاستجابة للحوادث السيبرانية، الذي أوقف فورًا جميع المشاركات المفتوحة وحدد هوية أصحاب المستندات، رغم عدم تلقيه ردًا رسميًا من المعنيين. القلق داخل الأوساط الأمنية تصاعد بشكل ملحوظ، خاصة أن ما جرى لم يكن نتيجة قرصنة إلكترونية، بل خطأ بشري متكرر يكشف هشاشة الرقابة الداخلية حتى في أكثر المواقع الأمنية حساسية.
وفي تعليق حذر، قال مسؤول في الإدارة، فضل عدم الكشف عن اسمه للصحيفة، إن أنظمة المراقبة والتدريب السنوي على الأمن المعلوماتي موجودة، لكنها غير كافية على ما يبدو، ولا تضمن منع هذا النوع من الأخطاء. من جهته، وصف مايكل ويليامز، أستاذ الأمن الدولي في جامعة سيراكيوز، ما حدث بأنه “غير مبرر”، مشيرًا إلى أن مجرد مشاركة مخططات للبيت الأبيض مع آلاف الموظفين هو خلل لا يحتمل التبرير، ويعكس عمق المشكلة.
الحادثة، وإن بدت معزولة، تأتي في سياق سلسلة من الأخطاء السابقة التي طالت إدارات ترامب وبايدن على السواء، من استخدام البريد الإلكتروني الشخصي في المراسلات الرسمية، إلى مشاركة محادثات عسكرية غير مصنفة مع جهات غير مخوّلة. وكل ذلك، وفق ما يرى المراقبون، يعكس نمطًا مقلقًا من اللامبالاة أو سوء الإدارة في التعامل مع الملفات المصنفة والمعلومات ذات الحساسية العالية.
التحقيق لا يزال مفتوحًا، بينما يلوذ البيت الأبيض بالصمت، ولم يصدر حتى اللحظة أي تعليق رسمي من جانب إدارته أو من مسؤولي إدارة الخدمات العامة، تاركًا الأسئلة معلّقة والريبة قائمة حول كفاءة النظام الأمني المعلوماتي في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في العالم.
راديو صوت عرب اميركا

