السكة – المحطة الفلسطينية
في الخامس عشر من مايو من كل عام، يُحيي الفلسطينيون والعرب، ومعهم أحرار العالم، ذكرى النكبة الفلسطينية، التي مثّلت واحدة من أكثر المآسي الإنسانية والسياسية إيلامًا في التاريخ الحديث. لم تكن النكبة مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت كارثة شاملة طالت الإنسان والأرض والهوية، وأطلقت سلسلة من المعاناة واللجوء والتشريد لا تزال فصولها تتكرر حتى اليوم.
ما هي النكبة؟
النكبة (1948) تشير إلى العملية التي تم خلالها تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني قسرًا من مدنهم وقراهم، عقب إعلان قيام دولة إسرائيل على أراضي فلسطين التاريخية، واندلاع الحرب بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية. وقد ترافق هذا التهجير مع مجازر مروعة وتدمير واسع النطاق لحوالي 500 قرية فلسطينية، ومصادرة ممتلكات اللاجئين ومنعهم من العودة.
خلفيات النكبة
بدأت جذور النكبة في العقود الأولى من القرن العشرين، مع وعد بلفور (1917) الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية بإقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين”، في وقت كانت فيه البلاد تخضع للانتداب البريطاني ويشكل العرب الغالبية الساحقة من سكانها.
وبين عامي 1917 و1947، شهدت فلسطين هجرات يهودية متزايدة بدعم بريطاني، ترافق معها توتر وصدامات دموية. وفي عام 1947، أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين (القرار 181) إلى دولتين عربية ويهودية، رغم رفض العرب لهذا القرار لعدم عدالتهم وكونه يعطي معظم الأرض لليهود الذين كانوا أقلية حينها.
ومع انسحاب بريطانيا في 14 مايو 1948، أعلن قادة الحركة الصهيونية قيام دولة إسرائيل، لتبدأ حرب 1948 وتبدأ معها فصول النكبة.
مآسي التهجير والمجازر
لا تقتصر مأساة النكبة على التهجير فقط، بل تشمل أيضًا مجازر دامية ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق المدنيين الفلسطينيين، منها:
- مجزرة دير ياسين (9 أبريل 1948): حيث قُتل ما لا يقل عن 100 مدني فلسطيني، من رجال ونساء وأطفال، في واحدة من أبشع الجرائم، وهدفت لبث الذعر ودفع السكان للفرار.
- مجزرة الطنطوره، اللد، وصبرا وشاتيلا (لاحقًا): سلسلة مجازر تؤكد أن العنف لم يكن استثناءً بل سياسة ممنهجة.
وقد تم تهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار مثل الأردن، لبنان، سوريا، ومخيمات غزة والضفة، وولد من هذا الشتات أكبر قضية لاجئين في العالم.
النكبة ليست حدثًا من الماضي
ما يجعل النكبة مختلفة عن غيرها من الكوارث التاريخية، هو أنها لا تزال مستمرة. فالفلسطينيون لم يعودوا إلى ديارهم، ولا يزالون يعيشون في مخيمات اللاجئين تحت ظروف قاسية. كما أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل سياسات التهجير والاستيطان في الضفة الغربية والقدس، في محاكاة مستمرة لسياسات 1948.
حتى غزة، التي يعيش فيها أكثر من 2 مليون فلسطيني، معظمهم لاجئون، تتعرض لحصار خانق وحروب مدمّرة، جعلت الحياة فيها أقرب إلى الجحيم.
البعد الإنساني والحقوقي
النكبة هي قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية. ملايين الفلسطينيين يعيشون بلا جنسية، بلا وطن، يُحرمون من حق العودة المكفول بقرار الأمم المتحدة 194 (1948)، في خرق واضح للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
كما أن روايتهم كثيرًا ما تُهمّش في الإعلام العالمي، وسط محاولات لطمس الذاكرة أو تقزيم القضية إلى “صراع حدود” بدل كونها قضية حق شعب في الوجود والعودة والحرية.
خاتمة: الذاكرة كفعل مقاومة
رغم مرور أكثر من 75 عامًا، لا تزال النكبة حاضرة في الوجدان الفلسطيني، ليس كذكرى حزينة فحسب، بل كقضية حيّة، تُورّث من جيل إلى جيل. يحملها اللاجئ في مفتاح بيته، وتحملها الجدات في الحكايات، وتحملها جداريات المخيمات، ويحملها الشباب في أصواتهم وكلماتهم.
النكبة ليست نهاية القصة، بل بدايتها. والذاكرة الفلسطينية، التي لا تموت، هي في حد ذاتها شكل من أشكال المقاومة.
“النكبة… ليست ذكرى، بل واقع مستمر حتى تعود الحقوق إلى أصحابها.

