الجمعة, مايو 1, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الثقافيةفداء زياد تكتب : الذاكرة لا يقتلها الانفجار

فداء زياد تكتب : الذاكرة لا يقتلها الانفجار

  • السكة – محطة المقالات – كتبت فداء زياد

مضى وقت طويل على الشعور بالحاجة لأن أبحث عن صوت أم كلثوم، في لحظة تشبه هذه…
مساء ربيعيّ خفيف، فيه شيء من البرودة، وشيء من خفة هواء البحر، كأن المدينة تتنفس رغم كل ما انهار فيها.
كان صوتها دائمًا يأتي من بعيد، يبدأ بـ”أنا وأنت”، فنكمل: “ظلمنا الحب”،وكأننا نكمل اعترافًا قديمًا لم يُقل تمامًا.
أحتاج هذا الصوت الآن
كما كنت أحتاجه حين كان البيت عامرًا، والقلب أكثر اتساعًا.
أسترجع لحظة من زمن آخر.
مساءٌ هادئ، وقهوة تغلي على عين الغاز، في البيت بيتي!
أطل من الشباك الغربي على الحديقة الصغيرة التي زرعتها أمي ذات يوم ببعض شتلات الورد، أتذكر كيف كنت أحدق بها من بعيد، أفكر أن أقطف وردة في الصباح، أو ألتقط لها صورة، وأقول للعالم:
“بدأ يومي بورد، وكان هذا كافيًا لأشكر الحياة”.

أختار “أنساك” من قائمة الأغاني، وأرفع صوتي بينما القهوة تتقلب،
أردد “أهو دا اللي مش ممكن أبداً”،
وأغازل ذاكرتي بسؤال عابر لوجه أم كلثوم:
“تظنين، مستحيل تنسيه من الأثر الحلو اللي تركه، ولا من الأثر السيء اللي طبعه في القلب؟”
ويصلني صوتها
“ولا ليلة
ولا يوم… أنا دقت النوم”.
فأدرك أن الأثر كان موجعًا، كندبة لا تندمل.
ثم تهمس: “أيام بعدك”،
ويثقل العتاب كريح البحر حين يغضب.

“كان قلبك فين؟ وحنانك فين؟”
كأنها تقف على حافة الرصيف، قرب البحر،
تحادث ذاكرة لم تذبل بعد، وترد:
“أهو دا اللي مش ممكن أبداً!
ولا بفكر فيه أبداً”.
لكني أعلم أن القلب يكذب حين يغني،
وأن الأغنية ما كانت إلا حيلة صادقة للبقاء.

لا أعرف أين مضت تلك اللحظات؟
وكيف صار استحضارها صوت نقمة ينساب في زوايا البيت،
في قلب المدينة المتآكلة، حيث تضيق دائرة الفقد يومًا بعد يوم،
ويقترب أكثر،
يسرق الأسماء من ذاكرة الهاتف،
ويحذف الأصوات من الرسائل والاتصالات
ويترك لنا فقط الذكرى
أو لا شيء.

تغني أم كلثوم “أنساك؟”
وأنا أتمتم: “ده كلام؟”

أشعر أحيانًا أنني امرأة وقحة، أتجنى على الحزن بالحنين
أخونه بصورة وردة، بأغنية قديمة، كأنني أرتكب خيانة عظمى في حضرة موت لم يهدأ بعد.
لكن من ذا الذي سيوقف الحرب إن توقفت عن التذكر؟
من ذا الذي سيمنع القتل إن كففت عن الحنين؟
أنا لا أهرب من الحزن
أنا فقط أقاوم ابتلاعه لي!
وفي داخلي شيء يريد أن يخونه أكثر،
أن أخونه بالذاكرة، أن أجعل الذكرى سلاحًا مضادًا،
لكنها لا تخفف، بل تثقل.
وكأنني ابنة الحاجة في زمن لا يمنح شيئًا،
ابنة الصراع في أيام الحرب،
حيث الحياة تضيق، والقلب يُحاصر،والفقد يقترب.
وكل ما أملكه:
صوتها، فنجان قهوة، وذكرى وردة زرعتها أمي.
وردة شعرت ذات صباح قديم أنها بداية يوم يستحق الحياة.

لكن الحقيقة تبقى
لا شيء ينسينا ما نعيشه.
لا الذكرى الجميلة، ولا المؤلمة تُمحى،
كلاهما يُقيم فينا كأثر لا يُشفى.
وكأن أم كلثوم حين غنت
“أهو دا اللي مش ممكن أبدًا”
تغني لكل ما طبع بدواخلنا
الجميل والسيء، الحنين والفقد،
وكل ما نحاول نفيه بالذاكرة
حتى لا أستسلم لجنون الحرب،
للموت، للرعب.
نقاوم بالحنين
وكأن الذاكرة لا يقتلها الانفجار القريب أو اتصالات الإخلاء وبكاء الهاربين من الموت إلى اللاشيء.
إلى المجهول
فهل يعني ذلك أن “أنساك”؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا