الأحد, يونيو 28, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةاستهداف أطفال غزة إبادة جماعية إسرائيلية برعاية الغرب والعرب

استهداف أطفال غزة إبادة جماعية إسرائيلية برعاية الغرب والعرب

السكة – محطة المقالات – ترجمة

دخلت الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة، والمدعومة من القوى الغربية، أخطر مراحلها، بينما لا يزال العالم يغطّ في سبات عميق.

شهد هذا الصيف تصاعدًا مروّعًا في وتيرة قتل الفلسطينيين، إذ يُسجل متوسط مئة شهيد يوميًا، معظمهم يعيشون أساسًا تحت وطأة الجوع في ظل حملة تجويع ممنهجة تُدار عمدًا.

هذا الجيب الساحلي الصغير، المحاصر من قبل إسرائيل ومصر بتواطؤ المجتمع الدولي، بات اليوم أخطر مكان على وجه الأرض بالنسبة للأطفال، الذين يشكلون نحو نصف سكانه.

منذ 31 أكتوبر 2023، وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) غزة بأنها “مقبرة للأطفال، وجحيم حيّ لكل من تبقى”، وهي عبارة كررها العديد من مسؤولي الأمم المتحدة، وآخرهم مفوض وكالة اللاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي الذي حذر مؤخرًا من “مخطط ميكافيلي إسرائيلي للقتل في غزة”.

شظايا الصواريخ تمزق أجساد الأطفال الهشة في الأسواق، وأماكن توزيع المياه، ومواقع تسليم المساعدات، وأثناء وقوفهم في طوابير للحصول على المكملات الغذائية.

يُقصف الأطفال داخل خيام النزوح، ويُحرقون أحياء داخل ملاجئ المدارس، ويُدفنون تحت أنقاض منازلهم. حتى قبل أن يولدوا، تُمزقهم القنابل من أرحام أمهاتهم.

في الأسبوع الماضي، لم يُذكر حتى في وسائل الإعلام الرئيسية مشهد جثة الجنين سعيد سامر اللقّة، ذي الثمانية أشهر، وقد قُطع رأسه إثر قصف، رغم تداول المشاهد على نطاق واسع في مواقع التواصل.

هذا الغياب من العناوين الإخبارية يعكس صمتًا مؤسسيًا لطالما شكّل جزءًا من استمرارية المشروع الإبادي الإسرائيلي، المستمر منذ أكثر من 21 شهرًا.

حتى عندما يُعترف بموتهم، يُختزل أطفال غزة إلى مجرد أرقام في سجلات الضحايا. لكن قتلهم لم يكن يومًا ضررًا جانبيًا، بل جزء من سياسة متعمدة تهدف إلى القضاء على جيل تخشاه إسرائيل: جيل وُلد تحت الحصار، نجا، ويتطلع للحرية والكرامة.

من السجن إلى الشهادة

في 12 يوليو، استُشهد يوسف الزق، البالغ من العمر 17 عامًا، إلى جانب ابنة أخيه ماريا وابن أخيه تميم، إثر قصف إسرائيلي لمنزلهم في مدينة غزة.

يوسف، الذي كان يُعرف ذات يوم بأنه أصغر أسير فلسطيني، وُلد في أحد السجون الإسرائيلية عام 2008.

تروي القصة المروعة أن والدته، فاطمة الزق، اعتُقلت عام 2007 أثناء محاولتها عبور المعبر إلى الضفة الغربية، لتكتشف خلال اعتقالها أنها حامل في شهرها الثاني. وبحسب ابن عم يوسف، الصحفي أحمد صحمود، فإن قوات الاحتلال حاولت إرغام فاطمة على الإجهاض من خلال التعذيب.

رغم الظروف الوحشية، أنجبت فاطمة طفلًا سليمًا وهي مكبلة اليدين والرجلين، وسط رعاية طبية ضئيلة. عاش يوسف أول 20 شهرًا من عمره في زنزانة، قبل أن يُفرج عنه مع والدته في صفقة تبادل أسيرات مقابل تسجيل مصور للأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط.

“كانت له مكانة خاصة في العائلة، وكان محبوبًا في الحي”، يقول صحمود، الذي فر من غزة العام الماضي إلى مصر. وأضاف: “نعتقد أن يوسف كان مستهدفًا عمدًا، فقصته عرّت الاحتلال. كان يمثل انتصارًا صغيرًا على السجّان، فكان لا بد من إسكات صوته”.

أطفال بلا طفولة

وُلد يوسف في سجن، وعاش حياته في سجن مفتوح. شهد العدوان تلو الآخر، ونجا من مجازر متكررة، لكنه قُتل جائعًا، وهو يتقاسم قطعة خبز مع ابنَي أخيه.

أكثر من 17 ألف طفل استشهدوا في غزة، وفق وزارة الصحة، وهو رقم لا يشمل المفقودين أو من لا يزالون تحت الأنقاض. أي بمعدل طفل يُقتل كل 45 دقيقة منذ 7 أكتوبر 2023.

هذا القتل، وفقًا للأدلة والمراقبة الدقيقة للسكان، لا يمكن وصفه بالخطأ أو العرضي. بل هو سياسة رسمية.

فمنذ الأيام الأولى، استشهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقصة “عماليق” التوراتية لتبرير عمليات الإبادة، بما في ذلك قتل الأطفال.

تواطأت التصريحات العنصرية للوزراء والحاخامات الإسرائيليين في هذا الاتجاه، إذ يدّعون أن “لا أبرياء في غزة”، وأن كل طفل فلسطيني “إرهابي منذ لحظة ولادته”.

تفكيك المجتمع

لماذا تُستهدف الطفولة في غزة؟ لأنهم يمثلون المستقبل.

جيل شاب يتحدى الاحتلال بالعلم والصمود، يشكّل تهديدًا للكيان القائم على محو وجودهم.

تهدف إسرائيل من خلال استهداف الأطفال إلى تدمير البنية الاجتماعية الفلسطينية، عبر إبادة سريعة بالقنابل، وإبادة بطيئة بالجوع والمرض.

وقد استُخدمت تكتيكات مشابهة في كينيا خلال ثورة “ماو ماو” ضد الاحتلال البريطاني، حيث حُجز أكثر من مليون شخص في معسكرات اعتقال. وفي الجزائر، أنشأت فرنسا “مخيمات التجميع” لعزل المدنيين عن المقاومة.

اليوم، تسير إسرائيل على النهج ذاته: تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتفتيت مجتمعهم، وسحق جيل بأكمله.

جيل المقاومة القادم

من الجزائر إلى فلسطين، من كينيا إلى غزة، يبقى المشروع الاستعماري متجذرًا في محو الذاكرة والهوية.

فالطفل الذي يحمل كتابًا، ويحلم، ويتذكر، أخطر على المحتل من أي سلاح. ولهذا، تستهدف آلة الحرب الإسرائيلية الأطفال بلا رحمة.

هؤلاء ليسوا مجرد أرقام أو “أضرار جانبية”، بل هم ضحايا لاستراتيجية محسوبة: محو الأمل، وقتل المستقبل، وإدامة الاحتلال بالخوف والدمار.

بقلم : لينا السعافين

صحفية فلسطينية، كتبت لعدد من المنصات الدولية مثل الجزيرة، ومونيتور، وتايمز ليتيراري، وأوبن ديموكراسي

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا