السكة – المحطة الثقافية – كتب حبيب عبدالله الشمري:
محمد لافي ليس مجرد إنسان، بل مجموعة إنسان متمثلة في أخلاق ومبادئ ومواقف لم تتغير ولم تستقطبها المغريات… شاعر عظيم محبط ومهموم بسبب زمن ليس زمنه، وبسبب رفاق يتساقطون كأوراق الشجر، وبسبب مبادئ يقبض عليها كالجمر ولا يستطيع التخلي عنها، شاعر مدهش بما يكتبه من نثرية بلاغية مبدعة كما محمد الماغوط، وبما يحمله من روح شعرية نضالية كما محمود درويش، كما يصفه أحد النقاد السعوديين.
كان مبدأه الرفض منذ أوسلو، منذ جوقة الموقعين، ومنذ بيروت ومنذ النزوح إلى عمّان، لم يبق له سوى ما يؤمن به، وأي حياة كان يمكن له أن يعشها لكن بلا إيمان وكرامة. يقول ذات مرة: ما قيمة الإنسان بلا قضية وموقف، وخاصة عندما تكون القضية فلسطين والموقف هو عدم الركوع والانحناء لمستعمر غاصب.
عاش السنتين الأخيرتين يتألم كثيرا ليس من المرض فحسب، بل من الخذلان السياسي العربي لغزة، وخذلان المثقفين العرب المطبعين إلى حد الانسلاخ من عروبتهم.
الشاعر مثله صاحب القضية والنضال هو شاعر حقيقي، هو الإنسان الوحيد الذي لا يَجبُن. قد يتنازل المثقف عن موقفه، ويتقلب الإعلامي كالحرباء، وينافق الداعية بلوي أعناق الأحاديث، ويجدد المفكر رأيه، ويجتهد العالم بفتوى جديدة، ويصمت الباقون، لكن الشاعر عندما يكون كمحمد لافي فإنه يبقى صوتًا حرًا لا يتغير ولا يتلون حتى وإن سافر مشيًا وإن نام بلا سقف.
رحل محمد وفي روحه غصة وفي جوفه حرقة تزداد وتكبر كل يوم بسبب فلسطين، رحل أبو فرات ووري الثرى، وطلب منا أن نتذكر كلماته جيدًا:
(حينما تستدير قليلًا لتبكي عليّ
انتبه جيدًا
وتذكّر فتىً واحدًا
وقّع الرفض في دفتر الجوقة الهابطة).

