السكة – محطة المقالات – ترجمات
بعد مرور نحو عامين على ما يسميه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “الحرب متعددة الجبهات”، يبدو أن إسرائيل تقترب أكثر من هزيمة استراتيجية، رغم ما تحققه من مكاسب عسكرية محدودة. فالحرب التي يخوضها نتنياهو تحت شعار “المهمة التاريخية والروحية” تحوّلت إلى عامل استنزاف داخلي وخارجي، أفقد إسرائيل دعمًا دوليًا متزايدًا، وساهم في تسريع الاعتراف بفلسطين على نطاق عالمي.
حرب بسبع جبهات
منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من عملية “طوفان الأقصى”، أعلن نتنياهو أن الرد الإسرائيلي “سيغيّر الشرق الأوسط”، لتتوسع الحرب من غزة إلى لبنان، سوريا، العراق، اليمن، الضفة الغربية وإيران. وفي خطابه، صاغ نتنياهو المواجهة كصراع وجودي مع “محور تقوده إيران” يسعى، بحسب تعبيره، إلى “تدمير الدولة اليهودية”.
استراتيجية تل أبيب اعتمدت مسارين:
- إضعاف الخصوم عسكريًا عبر ضربات مباشرة وتوسيع العمليات الميدانية.
- فرض الامتثال بالقوة على بقية دول المنطقة، بما فيها حلفاء واشنطن.
إلا أن هذه المقاربة أظهرت محدوديتها. فإسرائيل لم تستطع القضاء على حماس في غزة، ولا تفكيك حزب الله في لبنان، ولا تغيير سلوك إيران أو وقف دعمها للمقاومة، فيما بقيت اليمن على موقفها الداعم لغزة.
إخفاق استراتيجي
في علم العلاقات الدولية، يُقاس “الإنجاز الاستراتيجي” بمدى القدرة على إعادة تشكيل موازين القوى بشكل دائم، لا بمجرد تحقيق انتصارات تكتيكية ظرفية. وبناءً على ذلك، لم تحقق إسرائيل مكاسب استراتيجية حقيقية، بل مجرد تفوق ميداني هشّ قابل للانهيار.
المخاطر التي تواجهها تل أبيب عبّر عنها رئيس “الشاباك” السابق عامي أيالون حين كتب:
“المسار الذي تسلكه إسرائيل سيؤدي إلى تقويض معاهدات السلام مع مصر والأردن، وتعميق الانقسامات الداخلية، وزيادة العزلة الدولية، وتصاعد التطرف الديني في المنطقة، وضعف الدعم الأميركي، وارتفاع موجات العداء للسامية عالميًا.”
خسارة الرأي العام الدولي
من أبرز نتائج حرب غزة أن صورة إسرائيل كـ”مدافع عن نفسه” انهارت عالميًا. فبحسب استطلاع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، يرى غالبية الأوروبيين أن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة وفصل عنصري، فيما أظهر استطلاع أميركي (جامعة كوينيبياك) أن 37% من الناخبين الأميركيين يؤيدون الفلسطينيين مقابل 36% فقط لإسرائيل.
هذا التحول يعكس فقدان إسرائيل موقعها التقليدي في الرأي العام الغربي، ما قد يجعل دعمها موضوعًا خلافيًا في الانتخابات المقبلة.
موجة الاعتراف بفلسطين
عام 2024 شهد أكبر موجة اعتراف دولي بدولة فلسطين منذ 2011، إذ انضمت تسع دول جديدة بينها إسبانيا، أيرلندا، النرويج، وسلوفينيا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 147 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة. والأهم أن دولًا كبرى مثل فرنسا، بريطانيا، وكندا أعلنت نيتها الاعتراف بفلسطين، ما قد يجعل الولايات المتحدة الدولة الغربية الكبرى الوحيدة التي ترفض ذلك.
عقيدة قتالية جديدة أم بداية النهاية؟
منذ 7 أكتوبر، تخلّت إسرائيل عن عقيدتها العسكرية التقليدية التي وضعها ديفيد بن غوريون: الحروب الخاطفة، أولوية استعادة الأسرى، وتفادي الخسائر البشرية الكبيرة. أما اليوم، فالحرب تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد بعتبة خسائر مرتفعة، ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة إسرائيل على الاستمرار.
محللون عسكريون إسرائيليون، بينهم العقيد المتقاعد غور لايش، حذّروا من أن تجاهل حدود القوة الإسرائيلية واعتماد عقيدة جديدة قد يقود إلى تفكك استراتيجي. وهنا يطرح السؤال الحاسم:
هل سينجح نتنياهو في إثبات فعالية هذا التحول العسكري، أم أن التخلي عن عقيدة بن غوريون سيكون بداية انهيار إسرائيل على المدى الطويل.
ترجمة عن موقع كاردال

