السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
بعد سنوات من التغني بـ«القرار الوطني المستقل» في أدبيات فتح وخطابات محمود عباس، يبدو أن هذا القرار لم يكن أكثر من لافتة دعائية صالحة للاستهلاك الإعلامي، سرعان ما سقطت مع أول اختبار حقيقي. فالقرار الذي قُدِّم يوماً كـ«خط أحمر» في مواجهة الإملاءات الخارجية، انتهى عملياً كورقة تفاوض رخيصة على موائد الضغط الأمريكي والإسرائيلي والأوروبي.
لم يعد السؤال: أين القرار الوطني المستقل؟
بل: متى تم دفنه رسمياً، ومن قرأ عليه الفاتحة؟
أولى فصول هذا الانهيار كانت عند بوابة رواتب الشهداء والأسرى، ذلك الملف الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الإجماع الوطني. لكن تحت شعار «الواقعية» و«الالتزام بالمعايير الدولية»، قررت قيادة السلطة أن تتحول من حارس لتضحيات شعبها إلى مدقق حسابات يرضي المانحين. هكذا، وبضغطة زر سياسية، جرى تحويل الشهيد إلى عبء مالي، والأسير إلى رقم قابل للحذف، في سابقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح لتُفهم بوصفها تخلياً أخلاقياً قبل أن تكون تنازلاً سياسياً.
أما تبرير هذا الانحدار باعتباره «ضرورة تكتيكية»، فلم يكن سوى محاولة فجة لتغليف الهزيمة بورق لغوي أنيق. ففي الجوهر، سلّمت السلطة بحق الآخرين في تعريف من هو المناضل ومن هو «الإرهابي»، وكأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من الاحتلال ورعاته.
ولأن مسلسل التفريط لا يكتمل دون العبث بالوعي، جاء الدور على المناهج التعليمية. فبدلاً من الدفاع عن الرواية الفلسطينية، اختارت السلطة أن تدخل طوعاً غرفة العمليات الغربية لتنقيح الذاكرة الجماعية. النكبة أصبحت «مصطلحاً حساساً»، والمقاومة «إشكالية تربوية»، والاحتلال «نزاعاً قابلاً لإعادة الصياغة». والنتيجة: أجيال يُراد لها أن تتعلم تاريخها وفق مزاج الممول لا وفق حقائق الأرض والدم.
وفي قلب هذا المشهد العبثي، تبرز الوظيفة الحقيقية للسلطة الفلسطينية: جهاز إداري أمني، مهمته الأساسية ضمان «الهدوء» للاحتلال. فالتنسيق الأمني، الذي يُعلن عن وقفه في الخطب ويُستأنف في الميدان دون خجل، بات العمود الفقري لوجود السلطة، بل شرط بقائها. وهنا يصبح الحديث عن «قرار وطني مستقل» نكتة ثقيلة الظل، إذ كيف يستقل قرار تُمسك مفاتيحه أجهزة الاحتلال؟
ولم تكن الضغوط العربية بعيدة عن هذا المسار، إذ مارست بعض العواصم هوايتها القديمة في تطويع الموقف الفلسطيني، باسم «الواقعية» و«تجنب الإحراج». لكن الجديد اليوم أن القيادة الفلسطينية لم تحاول حتى المناورة، بل تعاملت مع الإملاءات باعتبارها قدراً منزلاً، لا خياراً سياسياً يمكن رفضه أو التفاوض حوله.
أما واشنطن وتل أبيب، فقد تخلتا عن الأقنعة تماماً: المال مقابل الطاعة، والبقاء مقابل الالتزام. والمفارقة أن كل هذا الانصياع لم ينتج لا وقفاً للاستيطان، ولا دولة، ولا حتى وهماً مقنعاً بالحل. ومع ذلك، استمرت القيادة في الرهان على سراب أمريكي، بينما كانت الجرافات الإسرائيلية تبتلع ما تبقى من الارض .

