السكة – المحطة العربية
في انزلاق غير مسبوق نحو الارتهان الكامل للاحتلال الإسرائيلي، خرج شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري، بتصريحات يمكن وصفها بأنها إعلان ولاء سياسي صريح لتل أبيب، متجاوزًا كل الخطوط الوطنية، ومقدّمًا نفسه ناطقًا باسم مشروع انفصالي مكشوف، يتكئ على القوة الإسرائيلية ويستدعيها علنًا إلى الجنوب السوري.
الهجري، الذي بات يُقدَّم باعتباره الأب الروحي لمشروع «الإدارة الذاتية» في السويداء، لم يكتفِ بتبرير التدخل الإسرائيلي، بل ذهب أبعد من ذلك حين ربط مصير المحافظة بإسرائيل، واصفًا إياها بـ«حامية الأقليات»، في محاولة فجة لتبييض الاحتلال، وتوفير غطاء أخلاقي زائف لتوغّله المستمر في الأراضي السورية التي لا يزال يحتل أجزاء واسعة منها.
وفي تصريحات صادمة لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، شنّ الهجري هجومًا هستيريًا على السلطات الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، واصفًا إياها بأنها «امتداد لداعش والقاعدة»، ومتهمًا إياها بالسعي إلى تصفية الأقليات، في خطاب تعبوي يهدف إلى شرعنة الانفصال وتهيئة الأرضية السياسية لتدويل ملف السويداء ووضعه مباشرة في الحضن الإسرائيلي.
الهجري لم يخفِ طموحه الحقيقي:
لا «إدارة ذاتية» ولا «حكم محلي»، بل إقليم درزي مستقل، وربما دولة درزية، تكون إسرائيل ضامنها وحاميها ومرجعها الاستراتيجي. بل ذهب إلى حد القول إن الدروز «جزء لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل» و«ذراع متحالفة معها»، في توصيف أقرب إلى بيان تحالف عسكري منه إلى موقف ديني أو أهلي.
تزامن مشبوه ورسائل واضحة
لم تأتِ هذه التصريحات من فراغ. فهي تزامنت بدقة لافتة مع الإعلان عن تفاهمات أميركية–إسرائيلية–سورية غير معلنة، أفضت إلى تشكيل «مجموعة عمل مشتركة» بإدارة واشنطن من الأردن، تشمل تنسيقًا استخباراتيًا ومشاريع اقتصادية، وفق تسريبات موقع «أكسيوس».
وبينما تجاهلت الورقة الأميركية ملف السويداء علنًا، بدا أن الهجري قرر لعب دوره الوظيفي بسرعة، لقطع الطريق على أي محاولة لإعادة دمج المحافظة ضمن الدولة السورية، عبر المجاهرة بعلاقته بإسرائيل، والإقرار بوجود قنوات اتصال مباشرة معها منذ سنوات، متذرعًا بما سماه «روابط الدم والعائلة».
انقلاب على مواقفه… وانكشاف المشروع
الأكثر فجاجة أن هذه التصريحات تناقض بشكل مباشر ما قاله الهجري نفسه قبل عام فقط، حين نفى أي دور إسرائيلي في تشكيل «المجلس العسكري» في السويداء، الذي تحوّل لاحقًا إلى نواة «الحرس الوطني». اليوم، لم يعد هناك إنكار ولا مواربة:
إسرائيل حاضرة، ضامنة، ومقرِّرة.
والأخطر أن الهجري لم يكتفِ بالتحالف السياسي، بل أعاد تسويق الرواية الإسرائيلية حول «التدخل الإنساني»، مشيدًا بالغارات الجوية الإسرائيلية التي قال إنها «أنقذت الدروز من الإبادة»، في خطاب يعيد إنتاج أبشع ذرائع الاحتلال التي استخدمت في لبنان وغزة، تحت شعار «الحماية».
دفع الأقليات… وخدمة المشروع الإسرائيلي
في المقابل، تواصل السلطات الانتقالية – عن قصد أو عجز – سياسة دفع الأقليات إلى كانتونات مغلقة:
الدروز جنوبًا، الأكراد شمالًا شرقًا، والعلويون إلى الساحل. سياسة تصبّ مباشرة في مصلحة إسرائيل، التي لا تخفي رغبتها في تفكيك سوريا إلى كيانات طائفية متناحرة.
ومع تصاعد الهجمات الطائفية، تحوّلت مجازر تموز إلى فرصة ذهبية للهجري، وللزعيم الدرزي في الأراضي المحتلة موفق طريف، لاستدعاء التدخل الإسرائيلي ومنح تل أبيب موطئ قدم سياسي وأمني في السويداء، بعد أن فشل هذا المشروع لسنوات في اختراق البيئة الدرزية السورية.
الخلاصة
ما يجري في السويداء لم يعد شأناً محليًا، ولا «حراكًا مطلبيًا»، بل جزء من هندسة إقليمية خطيرة، تُدار مفاتيحها من تل أبيب وواشنطن، وتُنفّذ بأدوات محلية، دينية وسياسية.
الهجري لم يعد شيخًا روحيًا، بل رأس حربة لمشروع تقسيمي.
وإسرائيل لم تعد مراقبًا، بل لاعبًا مركزيًا في الجنوب السوري.
أما سوريا، فتُدفع – بتواطؤ الجميع – خطوة إضافية نحو التفكك، في مشهد لا يترك مجالًا للشك:
ما يجري ليس حماية أقليات… بل تفكيك دولة على مهل .

