السكة – كتاب السكة – كتبت رماح خاطر
انهُ عبئ مضاعف أن تكوني جميلة، وليس العكس!
أن تكوني جميلة فعليكِ أن تبرري هذا الجمال، أن تثبتي بأن “المستحيل” ممكن، فمن غير الممكن في الوعي الجمعي أن يتحقق الكمال الا بتحقق الرجولة.
سمعتُ مرّةً شيخاً يقول : (كمُل من الرجال كثير، وكمُل من النساء، ثلاث؛ هنّ مريم أمّ عيسى، وخديجة بنتُ خويلد، وآسيا زوجة فرعون).
إن الجمال مضافاً اليهِ مفاهيم الذكاء والحصافة والعلم؛ من الكمال، وليس هذا مما اعتادَ على فهمهِ والقبولِ بوجودهِ الناس،
فالجميلة، غبية بالضرورة
والقبيحة، قد تكون ذكية!
وإن اجتماع الذكاء والعلم والجمال في امرأة، أمرٌ يصعب على الذهن تقبّله، فيلجأ الى الصاق تهم الغباء والسطحية بالمرأة الجميلة. ولأن الجمال خُلِقَ لوصف النساء، فنرى هذا الحُكم العام على النساء بأنهنّ سطحيات محكومات بالعواطف بنصف عقل لا يُفلح قوم ولّوا امرهم اليهن.
إن أصناف الاتهامات التي تُلصق بالمرأة ابتداءاً، بالضعف وقلة الحيلة والخبرة ونقصان العقل والاستعداد الفطري للانحراف.. الخ، كلها ليست الا ميكانيزمات دفاعية في الذهنية الجمعية يتبناها العقل الذكوري للدفاع عن معنى وجوده أمام مخلوق أو كائن بهذهِ القدرات الجبارة الفائقة او الطاغية الحضور والوجود.
إن امرأة جميلة، ستكون مسؤولة أمام المجتمع الضيق حولها ابتداءاً بطريقة أو بأُخرى، ستكون مسؤولة عن إثباتِ أي منصب أو مكانة وصلت اليها.. أنها وصلت اليها بجهدها العلمي والعملي فقط ولا شيء آخر، فإن أول ما يتبادر الى ذهنِ من حولها (وخصوصاً من الرجال)، أن هذهِ امرأة انما وصلت الى ما وصلت اليهِ هذا؛ لأنها امرأة.. وجميلة، وكأن على المرأة دائماً أن تثبتَ مرتين، ما لا يحتاج الرجال الى إثباتهِ أكثر من مرّة واحدة على الأكثر في كلِ شيء.
وكانَ هذا الكلام قد جاءَ في معرضِ توضيح (ولا أقول دفاع) عن وصف (مجتمع ذكوري) في حديثٍ مع مجموعة من الأصدقاء الـ ما بعد حداثيين، وضحتُ الأمر بأنّ مرد ما سَلَف بدرجة أقصوية يعود الى كون المجتمع ذكوري (وقد كانَ الأصدقاء قد كرهوا الوصف سابقاً باعتبارهِ وصف صارَ معلوكاً أكثر من اللازم، وباعتبارهِ وصف مستحدث كذلك ليسَ أصيلاً ما أنزلَ اللهُ بهِ من سلطان، وانما جاءَ فجأة وانتشرَ على السنة النسويات والحقوقيات والحقوقيين الذين استحسنوا التعبير!)
فإن كنتِ لا تستسيغين ولا تستسيغ وصف (مجتمع ذكوري)، فكيفَ ستصفين وستصف مجتمع يرفض تحكيمَ النساء وقضائهن؟ وبماذا ستصفين وستصف مجتمع أطلقَ الرصاص على فتاةٍ تبِعَت نداء قلبها ورفضت قانونَ القبيلة؟ وكيفَ سيكون وصف مجتمع يحاكم النساء بناءاً على أشكالها؟
هل ستصفونهُ مثلاً بمجتمع (قليل أدب)؟
على الأقل لا يزعجهم كثيراً وصف (مجتمع ذكوري)، انهم فقط منزعجون من كون أن الأمر الذي كانَ اسلوب حياة طبيعي الى الدرجة التي لا يصح أن يكون لهُ معها اسم؛ صارَ لهُ اسم، والأشياء متى اتخذت اسماً؛ صارت أكثر وضوحاً، وما تفرضهُ صارَ أكثر ملاحظةً.
إن الأسماء التي يبتكرها الناس، والتي يقلل من شئنها الآخرين بالآية القرآنية (ان هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللهُ بها من سلطان)
إنْ هذهِ الأسماء إلا هوية، وبطاقة تعريف، وباب دخول، منهُ صرتَ تدخلُ على حقلٍ كان موجود منذُ البداية، ولكن لفرطِ انسحابك تحتَ ظلّه، لم تلحظه، واحتاجَ الأمر سنين طويلة حتى جاءت عقول مختلفة، وعيون لمّاحة، استطاعت ان تنتبه الى ما كان ليكون اليهِ انتباهه.. من الدائرون في الساقية بأعينٍ مغمضة.
وفي العودة على جملة : (وكأن على المرأة دائماً أن تثبتَ مرتين، ما لا يحتاج الرجال الى إثباتهِ أكثر من مرّة واحدة على الأكثر في كلِ شيء)، فإن كل شيء هنا حرفياً تعني كل شيء، فإن كان على الرجل أن يثبتَ كفاءَتهُ -كما سلفَ في الأعلى- مرّة، فعلى النساء إثبات كفاءتها مرتين وربما أكثر، وإن كانَ على الرجال إثبات شرفها وعفتها، فإن على النساء إثبات هذا مرّات ومرّات، وإن كان على الرجال إثباتَ قدرتها على تحمل المسؤولية مرّة، فعلى عاتق النساء يقع اثبات ذلك الكثير من المرّات..
الرجل يكفيه أن يكون (رجل) حتى يأخذ شهادة الكفاءة.
أما بالنسبة لمفهوم الشرف، فهو عبئ لا يحمل همّهُ الرجال إلّا بقدر حراسة صون وحفظ النساء لهذا العبئ.
والمسؤولية أمر لا يستلزم الرجل أكثر من أن يكون رجل حتى يكون مسؤولاً، لا أحد سيراقب الى أي درجة يقوم بهذا الدور المسؤول..
إن هذا مجتمع ذكوري، تكاد النساء فيهِ تشعر بأنها الغريب، الذي عليهِ دائماً أن يكونَ أديب. إنهُ مجتمع ذكوري ذلك المجتمع الذي يفرض نظرة وحدوية متعلقة بجنس واحد، في كرة أرضية يعيش عليها تحديداً جنسين.
إن جملة مثل جملة (النساء نصف المجتمع)، ستصير جملة غريبة اذا ما قلنا (الرجال نصف المجتمع)، مع أن الجملة الأولى تلقائياً تفرض الثانية، ولكن كلمة (النصف) هذهِ، لن تكون دقيقة للغاية ولا محل ترحيب في عقل الذكر. انها عملية رياضية اسطورية تشبه أساطير الاغريق، إذ كيف يكون جنس ما هو كل المجتمع، ثم يرضى أن يكون نصفهُ لأن جملة ما تقول بأن المرأة نصف المجتمع فبالتالي هو النصف الآخر؟! لا لا تعمل الأمور هكذا بالذهنية الذكورية، (فنحنُ الذكور كل المجتمع، وأنتم يا نساء نصفهُ بمنحة ذكورية).
وإن جملة من مِثل جملة (الاسلام كرّم المرأة)، ستصير محل سخرية لو قلبناها الى (الاسلام كرّم الرجل)، فالرجل لا يحتاج الى هذهِ الجُمَل، هذهِ جُمَل تقال للفرع لكي نخفف عنهُ احساس الهامشية، ولكنها لا تُقال للأصل الذي يثق بوجوده.
مع أن الأنثى هي أصلُ الأشياء، فلا يمكن أن يتعدّى المولود على الوالدة، الا بذهنية تريد أن تكرّس بأن هذهِ الانثى نبتت من ضلعِ ذكر! وبهذا فهي فعلاً فرع لا أصل! وهذهِ أكبر اسطورة وكذبة تم تكرارها حتى صارت عقيدة، فمنذُ الأزل ونحنُ نزى الرجال ينسلون من أرحام النساء، ولا مرّة رأينا امرأة تنبِتُ من ضلعِ رجلٍ أعوج.
المجتمع متفنن بصنع الجُمُل والأمثال التي تفرض على المرأة اسلوبَ حياةٍ معين، لذلك لم يكن غريباً ان نسمع قولة تفترض أن تكون المرأة الجميلة ثم بعد ذلك سيأتي كل شيء، فيقولون : (كوني جميلة واصمتي)! في كناية مفهومة الدلالة على أن النساء إنما تصل الى أيّ شيءٍ كان، بلعبة الغواية والفتنة.
إن المتأمل بهذا المقال، سيشعر بحجم القوّة الطاغية التي تُحاصر الرجل ويعيش معها على كوكبٍ واحد، ويفهم لماذا كانت هذهِ القوة بحد ذاتها إلهة لا أقل من ذلك لعقود طويلة خلَت، وان هذا التراث الذي صارَ يُحاك حول المرأة ابتداءاً بشكلها وليسَ انتهاءاً بقدراتها حتى الفسيولوجية منها من مثل الحبَل والولادة، ليست أكثر من محاولة للذكر الذي استطاع على حينِ غفلةٍ من (الإلهة) التي أخذتها السِنةُ والنوم؛ لقلبِ موازين القوى.

