السكة – المحطة الثقافية – كتبت رماح خاطر
حمزة نمرة المثقف المتعلم المؤدب الحزين.
حمزة نمرة (مصطفى كامل والنغم العراقي الحزين وحسن لسمر) المثقفين.
*سيتم الإشارة في هذا المقال الى حالة شريحة المثقفين الانسانويين مواليد نهايات العقود الثلاثة من القرن الفائت الذي يمثل شريحتهم حمزة نمرة بأغانيه؛ باسم (الدببة الطيبة).
لم تكن نظرة الدببة الطيبة الى مدرسة الغناء الحزين الشعبي او العراقي الحزين، تختلف عن نظرتهم لطبيعة الناس الذين تستميلهم هذهِ النوعية من الاغاني والنغم، انهم حتى اذا ما استمعوا (مرّات مثلاً)، الى هذا النوع من الغناء الشعبي الحزين، فهم يدّعون في نفوسهم طريقة استماع واستمتاع مختلفة عن طريقة استماع (الرعاع).
اما حمزة نمرة، فالأمر معهُ مختلف تماماً، فهم قد تبنّوه وانتهى الأمر، تبنّوه منذُ (تذكرتي رايح جاي) وقبْلها، فهو منذ البداية طرقَ على بوّابة من بوّابات عقول المثقفين الدببة الطيبة.
ثم بعدَ ذلك بدأت ملامح (مؤامرة) حمزة نمرة تتضح في اذهان الدببة الطيبة، انهُ هُم!! مثلما كان مغنيي الحزن الشعبي والعراقي الحزين، (هُم)؛ من يستمعون اليهم! بفارق أن هؤلاء كانوا قادرين على محبة احزانهم وتقبّل من يمثلها، وبذلك لم يصحوا يوماً على مؤامرة من تلك الأغاني ومطربيها: عليهم ! فكرهوهم او نفروا و جفلوا منهم مثل أخ جفِلَ فجأة على حين غِرّة او التفاتة لأن اخاه وضع قناع لوجه مخيف ووقف بجانبه بهدوء، بفارق انهم جفلوا فجأة من حمزة نمرة الذي يقف الى جانبهم بهدوء وقد خلَعَ القناع وإذا بهِ هُم!
-نحنُ الدببة الطيبة على عكس (سمّيعة) الحزن الشعبي والعراقي الحزين، نريد بأسرع وقت ممكن إبراء حمزة نمرة منّا! إنهُ ليس نحن، انهُ اخواني ملتبس! او هو يساري بائس ما زال يبكي سقوط الاشتراكية! او هو متدين يحرضنا على الحزن! ولكنهُ ليس نحن!
-ولكنهُ كان مقنع! انهُ حتى يغني اغاني توحي بذلك الجو من الفرح وخفّة الظل! غنّى (رايق) (رايق وتقيل وراسي)، وغنّى بلحن راقص سعيد، لكنهُ حتى في تلك الاغاني ظلّ نفس ذلك الصوت للشخصية مواليد الثمانينات، الذي بدأ الشيب واضحاً في رأسها، صوتها مجروح، لكنهُ راسخ وأصيل وكأنهُ آخر الاصوات القديمة على وجهِ العالم المتطور ذو الذكاء الاصطناعي.
يغني عن الغدر والاصدقاء الذين لم يصونوا العشرة، ويغني عن المستقبل الغير واضح المعالم، ويغني عن الغربة، ويغني عن الوطن بصفة مختلفة، يغني عن الحبيب الضائع وجواباتهِ الحزينة ويغني عن هذا الضائع بين عالمين وبين الناس، يغني عن الاحلام الكبيرة والسقوط المدوّي، يغني مونولوجات مع ذاته، (مالك متغيّر ليه..داري يا قلبي مهما تداري) (مبتديش حاجة اهتمام.. اهلاً اهلاً سلام سلام)، حوار ذاتي غنيناهُ معهُ وكأننا بهذا نقوم بنفس الدور مع انفسنا، يغني للحبيب بكامل الادب والانكسار ويسألهُ على طريقة آخرَ المؤدبين (فاضي شوية نشرب قهوة بحتة بعيدة)، ثم أتى (برياح الحياة)! مونولوج اخر (وصعب تسكن الألام واخرج من اللي فات سليم وصعب لمّا اروح انام
ما افضلش اراجع القديم) (ما تتشغلش باللي فات خليك يا قلبي في المفيد كبر لأي ذكريات ركز وبس في الجديد) مونولوج اخر جديد، ودرس آخر يلقنهُ لذلك المُقيم بين عالمين، يغني عن حالة الرضا التي تدّعي الحكمة حول كل هذا، يغني لكل هذا العبث والأسى بعناية بالغة!! “بادعاء” ثقافي مصنوع بعناية ونعم سنقول ادعاء! لأنهُ لا يمكن ان يكون كل هذا حقيقي! لا يمكن اصلاً ان يكون هذا العبث حقيقي! هذا العبث صنعتهُ الدببة الطيبة لتصنع مأساتها الخاصة، هويتها الخاصة، وهي وهْم! ليست حقيقة! انها ادعاء .. ادعاء .. ادعااااء!!!ههه
حسناً!
ما هي مؤامرتك القادمة يا حمزة نمرة بعد هذهِ الما حداثة التي اوصلت الدببة الطيبة اليها بخصوص أغانيك؟ ان يعودوا من حيث بدأوا؟ ولكن هذهِ المرّة بقناعة مضاعفة؟ بهزيمة راسخة؟
نمرة هذا الشاب مواليد الثمانينات -وعلينا ان ننتبه في هذهِ المرحلة من عمر الزمن لهذا الجيل- هو صورة شخصية او (سيلفي) لمواليد هذا الجيل مجتمعين.
الدببة الطيبة عزاؤها الوحيد ايهام نفسها ان ما تراه ولا يراه الآخرون؛ وهْم! أو على أقل تقدير اعينهم تبالغ في قراءة المشهد.
ما تراه لضياع أجيال بأكملها يتضح ضياعها في لغتها الركيكة واهتماماتها الفارغة وافكارها العنيفة احياناً البائسة معظم الوقت؛ وهْم، ما تشعر بهِ من غربة بين الناس الغريبة؛ وهْم، الضيق الذي تشعر بهِ رغم العالم الواسع؛ وهم ، الاحلام الكبيرة؛ وهم، احزان “الرعاع” على الايقاع الحزين؛ وهْم ، هذا الضياع وهْم، كل هذا الوهْم صنعتهُ الدببة الطيبة لتصنع مأساتها الخاصة، هويتها الخاصة، وهو ليس حقيقي، لأنهُ إن لم يكن وهماً فهذا يعني أن هذا الحزن حقيقي، وان اعين الدببة الطيبة لا تُبالغ، ومشاعرهم بالبؤس حقيقة، وهم بالفعل يعيشون مأساة وتيه، وليس مجرد أشعار وشِعارات وأطوار نفسانية!
مش باقي غيري في المكان
مش باقي حاجة من اللي كان
مش باقي غير وجع زمان
وهمس ذكرى في الودان
طاوعت حظى لما قال
أصبر لكل شيء أدان
يا حظ ما تأدن!
ما هو هذا الحمزة نمرة اذاً؟؟
علينا ان نُجيب اي شيء ولكن لا تقل هو نحن! (الدببة الطيبة)!! وكما قال نمرة : (انا الطيب وعامل فيها مش طيب.. انا المأزي ومش عايز اكون مؤزي ولكن لو حتئزي حأزي)!
لقد سمعتُ هذهِ الجملة الموسيقية كما هي حرفياً في زمن ماضي (دا جرح بيعلّم)! ولكن اين؟؟

