الخميس, يونيو 25, 2026

الأكثر

“حمّالة صبر”

السكة – محطة كتاب السكه – كتبت رماح خاطر 

يحتدم النقاش هنا في الغرب (اميركا تحديداً)، كل فترة وفترة حول أحقية النساء بإرضاع صغارها في الأماكن العامة (شوارع أرصفة مقاهي دوائر حكومية مكتبات..الخ) من عدمه،
ويرى الفريق الذي يحرّض على محاربة هذا الفعل؛ أن هذا فعل خالي من اللباقة!

 

في دولنا العربية نبدو متجاوزين لهذا الأمر، فالأمر محسوم لصالح الرفض، فصار شبه مستحيل أو نادر جداً أن ترى أماً ترضِع ابنها في الأماكن العامة.

نظرة الذكور نحو صدر المرأة هي وحدها ما تدفعهُ لهذا الرفض، فهو يرى أن هذا الصدر هو من أساسيات فتنة المرأة، وهو من أساسيات ما يتم الاستمتاع بهِ في حالة الجماع.

لذلك تبدو الرؤية مختلطة في عقل الذكور بين النظر الى هذا الصدر كما تهيئهُ لهم خيالاتهم تجاه المرأة وحالتها، وبين كونهُ وسيلة تغذية لطفل مسكين لا حول لهُ ولا قوة ولا يفهم أي شيء باستثناء أنهُ عندما يجوع فيجب أن يأكل وإلا البكاء المُدوّي.

إنهُ يعبّر عن النظرة التي تقترب من الفصام في ذهن الرجل بين المرأة الأم (المقدسة)، والمرأة الجسد (العاهرة).

 

في الفقه أو التشريع الإسلامي هنالك ما يمكن أن يسمى نظرة مختلة حول صدر المرأة بل وحمّالة صدرها كذلك، بل وقد سُئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : ما حكم لبس النساء حمالات الثدي؟
فأجابوا : “لبس حمالات الثدي يحدد ، ويجعل النساء كواعب ، فتكون بذلك مثار فتنة ، فلا يجوز لها أن تظهر بها أمام الرجال الأجانب منها ” انتهى .

“فتاوى اللجنة الدائمة” (17/107) .

 

وقال الشيخ ابن عثيمين : ” وأما الحمالات فلا بأس بها أن تضع المرأة شيئاً يجمل ثديها فإنه لا بأس به ، إلا أني أرى أنه لا ينبغي للمرأة الشابة التي لم تتزوج أن تلبسه لأنها حينئذٍ ينشأ في نفسها محبة الظهور والافتتان والفتن ، فلا ينبغي أن تفعل ، ثم المرأة المتزوجة التي تفعله لزوجها فلا بأس به هذا يعتبر من التجميل ” انتهى من “فتاوى نور على الدرب” .

المشكلة أن المرأة في جميع الحالات والنقاشات، تبدو كمن لا يملك من أمرِ صدرها ولا حمّالتهِ شيئاً.

“عقدة” -إن صح التعبير- الرجل نحو نهد المرأة ليس بالأمر الجديد، فهذا النهد يحمل معهُ أكبر متناقضتين يعاني منها الرجل تجاه المرأة (القديسة والعاهرة) القديسة متمثله بالأم فهو تعبير مكثف عن حالة الأمومة بالرِضاع، والعاهرة متمثلة بالجنس، فهو تعبير مكثّف عن أنوثة المرأة.

 

إذا أردتَ واردتي أن تعرفي، هل المرأة أم أكثر، أم متعة جنسية أكثر في العقل الجمعي للمجتمعات بكافة أشكالها وجنسياتها، فانتبهي الى هذهِ النقطة، الى أي درجة هي مقبولة أو مرفوضة، وكيف يتم التعبير عن هذا الرفض؟

هل سيترك المجتمع امرأة ترضع ابنها في الباصات العامة وشأنها؟
هل ستشعر هي أصلاً بالراحة للاستجابة لنداءات طفلها الباكي بتلقيمهِ ثديها؟ أو ستؤثر بكاءهُ وعذاب جوعهِ على ذلك؟

 

النسويات الغربيات اللواتي يدافعنَ عن حق المرأة بالإرضاع في الأماكن العامة، فهمنَ كل ذلك، وأدركنهُ، فعلَت أصواتهن للمطالبة بشيء تدركهُ عقولهن وضمائرهن.

الرافضون أيضاً فهموا فهمَ النسويات لذلك، فعلَت مجدداً أصواتهم برفض الفِعل، لأن هنالك فئة من ذكور العالم (بغض النظر عن جنسياتهم) يبدو مصممين بشدة على استمرار النظر للمرأة على اعتبار أنها (متاع) مما يُستمتع بهِ، وهذهِ هي وظيفتهُ الأساسية، ويجب الحفاظ بصرامة على هذهِ الوظيفة، وأن لا تنجر صاحبة هذهِ الجسد وراء صيحات تطالب بتحريرهِ ولو جزئياً منها.

 

صبر النساء طويل نعم، واذا ما وُضعت المرأة بين الإختيار أن تكون جسداً يُمتع، أو بين أن تكون أماً، فستختار الثانية. هذهِ طبيعتها والتزامها ووفائها نحو من تشهد وتعرف وتدرك أنهُ يحتاج قلبها علاوة على ثديها.

واذا ما اختارت المرأة العكس، بمعنى وافقت أن يستمر ابنها بالصياح في مكان عام لأنهُ جائع، على أن تلقمهُ ثديها، فهذا يعني أن الانسحاق والانسحاب تحت مفاهيم الذكورة، وصلت العظم، أو أن الخوف تمكّنَ منها. فما عاد يلزمها بعد اليوم حمالة صدر، وإنما حمّالة صبر.

 

اللوحة لوليد عبيد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا